رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

دكتورة أمل منصور تكتب: عشق عن بُعد ويبتعد عن القرب

دكتورة أمل منصور
دكتورة أمل منصور

كلما اقتربت المسافات، ابتعدت القلوب. لم يعد العجز في الوصول، بل في القدرة على المكوث..ثمة شيء غريب يحدث في زمن الامتلاء بالوسائل . هذا الجيل لا يفتقر إلى الحب، بل إلى الشكل الآمن الذي يمكن أن يعيش فيه ذلك الحب دون أن يُخلخل استقراره النفسي. إنهم لا يهربون من المشاعر، بل من تبعاتها. لا يخشون العاطفة، بل القرب الذي قد يفضح ارتباكهم، ويُجبرهم على أن يكونوا على طبيعتهم، بكل ما تحمله من نقصوهشاشة.بعض الأحيان .

إنهم يتقنون إشعال شرارة العلاقة، لكنهم يترددون حين يحين وقت بناءها. يجيدون التودد عبر النصوص، ينسّقون كلماتهم بمهارة خلف الشاشات، لكنهم يرتبكون حين يقترب منهم من يطلب حضورًا . ولهذا، صار الحب الرقمي هو الخيار الأقل خطورة، والأكثر تحكّمًا. الحب من بعيد، بعينين مفتوحتين، وقلبٍ نصف منفتح.

إنهم جيل يختار المسافة لأنها تمنحه نوعًا من السيطرة. في البُعد، يمكنهم إظهار أجمل ما فيهم، وتعديل ما لا يريدون ظهوره، والانسحاب في لحظة دون ضجيج. أما القرب، فهو مرآة حقيقية، لا مجال فيها للفلتر، ولا لحذف المشهد الذي يكشف الضعف. القرب يتطلب شجاعة، صبرًا، ومهارة في التحمل… وكلها مهارات باتت نادرة في جيل يخشى الاستنزاف العاطفي أكثر من أي شيء آخر.

هم لا يأتون إلى العلاقات فارغين، بل مثقلين بذاكرة غير مكتملة: خيبات لم يعيشوها بعمق، لكنها سكنت وجدانهم. لذا حين يقترب أحدهم من قلوبهم، تراهم يتراجعون، لا لأن الآخر مخطئ، بل لأن احتمالات الأذى القديمة تسبق كل فرصة جديدة.

التقارب العاطفي عندهم لم يعد لحظة فطرية، بل عبورًا صعبًا، محفوفًا بأسئلة واحتياطات. يراقبون مشاعرهم كما لو كانت طرفًا آخر. يحللونها، يتفقدون صدقها، ويخضعونها لاختبار المنطق. لكن الحب لا يحب المراقبة الحادة… هو يحتاج أن يُعاش كما هو، لا كما يُفترض أن يكون.

الملفت أن كثيرين منهم يعيشون حنينًا لا يعرف مصدره. يشتاقون لعلاقة لم تحدث، لدفء لم يتجسد، لوجه لم يروه إلا عبر النصوص. يكتبون الحب في خيالهم بإتقان، لكنهم يتلعثمون حين تقترب التجربة من أن تصبح واقعًا. الحلم بات أكثر راحة من الحقيقة، والاقتراب أضحى تهديدًا لا فرصة.

الأخطر من كل هذا أن هؤلاء لا يعيشون علاقات عابرة فحسب، بل حياة عاطفية موازية. قصص حب طويلة خلف الشاشة، تُشبع لحظيًا لكنها لا تبني. إنها علاقات لا تُختبر في الواقع، ولا تُتوَّج بالتزام، ولا تترك أثرًا يُشبه الأثر الحقيقي الذي تصنعه العلاقة الناضجة. ومع مرور الوقت، يتحول هذا الشكل من الارتباط إلى بديل زائف، يُعيق الانفتاح على علاقات حقيقية، ويزرع داخل النفس وهم الاكتفاء.

وتتعدى الخطورة ذلك، حين تُصبح هذه العلاقات سببًا مباشرًا في تعطيل فكرة الارتباط نفسه. فالزواج عند بعضهم لم يعد استقرارًا، بل عبئًا. صار يُرى كقيد يُهدد مساحتهم الخاصة، أو كمشروع ثقيل لا يُشبه الانسيابية التي توفرها المحادثات الرقمية. كثيرون دخلوا سنّ الارتباط دون أدوات الدخول: لا مهارة في المصارحة، ولا استعداد للمواجهة، ولا تدريب كافٍ على البقاء. فالشاشة علمتهم الهروب، والمثالية، والاختفاء الصامت، وأضعفت قدرتهم على تقديم أنفسهم كما هم، بكل ما فيهم.

وهكذا، تُعاد التجربة مرة تلو الأخرى، وتتشابه النهايات حتى حين تختلف الوجوه. فلا روابط تُبنى على أرض ثابتة، ولا دفء حقيقي يُعاش. والنتيجة: قلوب ممتلئة بالتجارب، لكنها فارغة من الأمان… قلوب تتوق إلى القرب، لكنها لا تعرف كيف تحتمله.

إنها أزمة لا تُقاس بعدد العلاقات ولا بمدى انتشار التطبيقات، بل بمدى العزلة التي يشعر بها القلب وسط كل هذا الانفتاح. فالعاطفة التي لا تجد لها مسارًا حقيقيًا تعيش في الظل، وتستنزف صاحبها بصمت. والمفارقة أن هذا الجيل لا ينقصه الشغف، بل المساحة الآمنة التي تسمح له بأن يعيشه دون خوف، وأن يقترب دون أن يرتبك، وأن يفتح قلبه دون أن يُضطر كل مرة لإعداد خطة هروب.

وفي النهاية، لا يُقاس نضج الشعور بقدر ما نُحسّه، بل بقدرتنا على تحمّله، والمكوث فيه، وتحويله من فكرة إلى حياة.

تم نسخ الرابط