رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

ترامب وتعزيز الدعم لأوكرانيا: هل هو تحول استراتيجي أم مناورة سياسية؟

قاذفات صواريخ
قاذفات صواريخ

في قلب صراع عالمي محتدم، تصدر من البيت الأبيض إشارات متضاربة تثير دهشة المراقبين: بعد تجميد دعم عسكري لأوكرانيا، يفاجئ الرئيس دونالد ترامب العالم بإعلان جديد يدفع بدعم السلاح إلى كييف. هذا التغير المفاجئ لا يشبه مجرد تعديل في سياسة خارجية، بل هو مشهد درامي يعكس صراعات داخلية عميقة بين البيت الأبيض والمؤسسة العسكرية، وتوازنات دقيقة بين القوة الاقتصادية والضغط العسكري. في هذه اللحظة الحاسمة، يتساءل العالم: هل نشهد تحولا استراتيجيا حقيقيا، أم مجرد مناورة سياسية في لعبة النفوذ الدولية؟

التردد وتأجيل الدعم

في الأشهر الأخيرة، اتّهم ترامب إدارة البنتاجون بـ"التصرف بلا تنسيق" عندما أُبلغه بعض المسؤولين بتعليق بعض شحنات الأسلحة. كان موجّهًا بشكل لا سابق له من الرئيس، الذي اعتبر التدخل العسكري المستمر دون رؤية واضحة استنزافًا لجهود أمريكا وتركيزها على مصالها أولاً. وبعد هذه المواجهة بين البيت الأبيض والبنتاجون، تدخل ترامب لتصحيح المسار بطلب جديد بإرسال أسلحة دفاعية لأوكرانيا.

تصريح رسمي ودوافع مستترة

قال متحدث باسم البنتاجون إن التوجيه جاء "من الرئيس" لإرسال معدات دفاعية إضافية، لضمان قدرة أوكرانيا على حماية نفسها وتعزيز سلام دائم. ومع ذلك، فقد أُكد أن هذه القرارات تتماشى مع أولويات استراتيجية أوسع تتمثل في شعار "أمريكا أولًا"، باعتبارها أحد الأسس الرئيسة في تقييم المواقع والأزمات العابرة للحدود.

في تقرير لمجلة "نيوزويك"، وصف الخبيرة الجيوسياسية دوافع ترامب بأنها نشأت نتيجة استياءه الشخصي من فشل بوتين في قبوله وقف إطلاق نار أو مبادرة دبلوماسية أمريكية، وعجزه عن تحقيق نصر سريع، إضافة إلى قلقه من تصاعد الهجمات الروسية خصوصًا باستخدام طائرات مسيّرة على البنية التحتية الأوكرانية.

نظرية الضغط: استراتيجية الضغط مقابل الهدنة

في الأسابيع السابقة، بدا وكأن ترامب يلعب على وتر الردع الدبلوماسي: تعطل تزويد الأسلحة كان رسالة لبوتين، مفادها "ارجع عن خطواتك، وإلا فستُترك أوكرانيا بلا حماية".
لكن بوتين رد بإعلان عدم التراجع حتى تحقيق أهدافه، ما دفع ترامب لإعادة دعم كييف. ويبدو أن ترامب اعتبر قراراً من روسيا باعتبار التعاطي مع المقترحات الأمريكية "إهانة تهدف لتحدي قدرته على إجبار الطرف الآخر".

ثلاثة دعامات دعم أمريكي لأوكرانيا

لتوضيح مسار الدعم الأميركي، يمكن تتبع ثلاث مراحل رئيسية:

أ. الربع الثاني من 2022

بدأ دعم أمريكي محدود جداً يتضمن مساعدات إنسانية وأنظمة دفاع مضادة للطائرات.
إجمالي الدعم العسكري – نحو 5 مليارات دولار.

ب. أواخر 2022 – منتصف 2024

شهد تصعيداً ملحوظاً في الدعم:

  • صواريخ باتريوت مضادة للجو
  • أنظمة هايمارس القادرة على دقة الاستهداف البعيدة
  • طائرات بدون طيار نوع MQ-9
    إجمالي الدعم – نحو 25 مليار دولار.

ج. من منتصف 2024 حتى الآن (منتصف 2025)

شهدت المرحلة الأحدث انتقالاً إلى تزويد أوكرانيا بقدرات هجومية:

  • دبابات  M1 Abrams جديدة
  • قذائف وصواريخ دقيقة
  • أنظمة استخباراتية ورادارات دفاعية
    إجمالي الدعم العسكري – أكثر من 50 مليار دولار حتى الآن.

خلف الموقف الدرامي

القرار بتعزيز الدعم جاء مفاجئاً، لكن تحليلاً دقيقاً يبيّن أن هذا التحوّل له أبعاد متعددة:

أ. بعد داخلي وتكتيك سياسي

رغم دعم ترامب المستمر لمصلحة أمريكا أولاً، إلا أنه يفهم أن سحب الدعم قد يضر بصورته أمام الجمهوريين المؤيدين للسياسات التدخلية، ويفتح الباب للانتقادات حول تخلّي أمريكا عن حلفائها في مواجهة الروس.

ب. رسالة لبوتين

الحرب الاقتصادية التي يشنها ترامب تشبه تبادل الرسائل بين القادة. الرسوم تستخدم كورقة ضغط، وتوقف الدعم قد تكون رسالة بوتين للضغط داخليًا، لكن عندما زاد بوتين هجماته، تلقى ردًّا أمريكيًا واضحًا.

ج. ضغط الحلفاء الأوروبيين

الدول الأوروبية لم تتلقف فكرة سحب الدعم بارتياح، ما دفع ترامب للعودة إلى نهجه. فقد أراد تفادي العزلة الدبلوماسية وضمان استمرار التحالف الغربي في دعم أوكرانيا.

التحديات المستقبلية

  • هل يستمر ترامب في إرسال أسلحة؟ يختلف حجم هذا الدعم ومستوياته تبعاً لمزاج الرئيس الأمريكي وما إذا نجحت استراتيجيته الاقتصادية في تجفيف موارد روسيا.
  • مدى اعتماد أوكرانيا على "حوامض" عريضة دون تحديد إطار زمني أو سياسي واضح.
  • الضغوط الداخلية على ترامب للتوفيق بين توجهاته العزلة وقواعده الانتخابية المؤيدة لأوكرانيا.
  • ردود فعل بوتين وتصعيده الكمي، في ظل دعم غربي متواصل.

التغير المفاجئ في موقف ترامب أعاد إحياء الدعم الأمريكي لأوكرانيا، الذي بدا كأنه يُعطّل لمجرد اختبار سياسي أو إرسال رسالة لبوتين. لكنه اليوم يعكس توازناً مدروساً بين مصالح اقتصادية، وقيود تحالفات عريقة، وضغط داخلي حول صورة الولايات المتحدة.
إذا كانت الرسوم الجمركية هي سلاح ترامب الاقتصادي، فإن الأسلحة التي تُرسل إلى كييف تمثل سلاحه الأمني التفاوضي. وبين هذين السلاحين، يقف الرئيس الأمريكي في مفترق طرق: هل يواصل الإبقاء على قوة متجره الاقتصادي مفتوحة أمام الجميع؟ أم أنه سيغلقها ليضيفها إلى حصار أوكرانيا؟ الزمن القريب وحده كفيل بالإجابة.

 

تم نسخ الرابط