ياسمين عبده تكتب.. الثروة الملعونة
فيه حاجات بتوجع مهما حاولنا نغطي عليها بالكلام أو التبرير أو حتى بالسكوت، حادثة موت أحمد الدجوي، حفيد واحدة من أيقونات التعليم والاستثمار في مصر، نوال الدجوي، مش بس صدمة.. دي فضيحة مجتمع بالكامل بيعبد الفلوس.
مش بنتكلم عن شاب غريب، ولا عن جريمة في حارة، إحنا بنتكلم عن حد المفروض إنه مولود وفي بقه معلقة دهب، بيت فخم، اسم تقيل، تعليم راقٍ، فرص متاحة، ومع ذلك، مات بعد ما ضرب نفسه بالرصاص، وساب لنا كلنا سؤال واحد: إيه اللي يخلي واحد في عز شبابه، وكل الدنيا مفتوحة قدامه، يقرر يخرج منها بنفسه وبالطريقة دي؟.
الناس بتجري على الفلوس، وبتتخانق عليها، وبتقطع في بعض عشانها، وبتورّث أولادها صراعات بدل ما تورّثهم راحة، الثروة من غير رحمة ومن غير تربية ومن غير دين، بتتحول لمستنقع، الكل بيغرق فيه.
أخبار بتقول خلافات عائلية على الميراث، حد فاهم ده يعني إيه؟ يعني دم ولحم بيتخانقوا على ورق، على حسابات، على شوية أراضي، فتقوم عيلتك اللي المفروض تسندك، تهدّك وتهددك وتضغطك وتحاصرك لحد ما تلاقي إنك محاصر جوه بيتك، ومفيش مفر غير الموت.
اللي حصل مع أحمد ماكانش صدفة، وماينفعش يعدي كحادث فردي، دي نتيجة طبيعية لما الثروة تبقى أكبر من التربية، لما الجشع يغلب الدم، لما نربي ولادنا على إن النجاح رقم، مش قيمة، لما نربط حبنا ليهم بحجم “نصيبه”، مش بحجم احتياجه للأمان والحب والاحتواء، عيلة غنية، آه، بس واضح جدًا إن الغِنى مكانش في القلب، كان بس في الحسابات البنكية.
الثروة مش دايمًا نعمة، أيوه، ربنا بيرزق، لكن لما الرزق ده يتحوّل لحلبة صراع، يبقى اتحوّل لنقمة، لما البيوت الكبيرة تبقى مليانة خوف وتهديد وكلام بيتقال بنص صوت، يبقى الفلل دي مش بيوت، دي سجون، لما الإنسان يبقى شايف إن حياته مالهاش قيمة في وسط كل الوفرة دي، يبقى فيه خلل كبير، وجذوره فينا إحنا كمجتمع.
النهاردة لازم كل أب وأم يراجعوا نفسهم، إنت بتورّث ابنك إيه؟ فلوس ولا قيم؟ عمارات ولا ضهر وسند؟ بتسيب له حساب في البنك؟ ولا بتسيب له بيت فيه حب؟ ماينفعش نديهم الدنيا ونسيبهم لوحدهم في الغابة.
الرسول صلي الله عليه وسلم قال: “إن لكل أمة فتنة، وفتنة أمتي المال”.
مش أي واحد معاه كتير يعني ربنا راضي عنه، ولا أي واحد فقير يعني ربنا ناسيه، لكن كل واحد بيتحاسب على رزقه جابه منين؟ وبيصرفه إزاي؟ وسابه لمين؟.
احذروا من لعنة الثروة، مش كل وفرة خير، ومش كل حرمان شر، وخافوا على ولادكم مش من الفقر، من الغِنى اللي ما وراهوش دين.
