شحاتة زكريا يكتب: 72 ساعة في العاصفة.. حين زارنا ترامب بلا قناع
لم يكن المشهد كما اعتدناه، لم تصطف الكاميرات لرصد ابتسامة ميلانيا ولا التفتت العيون إلى فساتين إيفانكا ولا انشغل المحللون بملامح الوجوه في قمة العزم والحزم، جاء ترامب هذه المرة بلا قناع، لا بهرجة، ولا استعراض، فقط ملفات تتحدث لغة المصالح ووفد يقرأ أوراقه من دفاتر النفط والسلاح والموانئ والصفقات.
ثلاثة أيام في قلب الإقليم وسط نار لا تنطفئ في غزة ودموع لا تجف في السودان وسكون مشبوه في طهران وقلق مكتوم في الرياض وأمل هشّ في القاهرة، جاء ترامب لا ليصنع سلامًا بل ليعيد تموضعًا، فالرجل الذي رسم الشرق الأوسط على هواه عام 2017، يعود الآن إلى طاولة اختلطت فيها الأوراق وتعقّدت فيها اللعبة، وتبدّلت فيها المواقع.
لكن الشعوب لا تنتظر كثيرًا من السياسة، الشعوب لا تقرأ بيانات البيت الأبيض ، ولا تحفظ تصريحات البنتاجون، ولا تهمها تفاصيل بورصة وول ستريت، الشعوب تُريد فقط أن تنجو، أن تأكل، أن تتعلم، أن تنام دون أن توقظها صفارة إنذار أو قذيفة هاون أو صورة طفل تحت الأنقاض.
ترامب لا يفهم هذا، جاء وهو يظن أن المنطقة كما تركها وأن الزعماء ما زالوا يعلّقون صوره في صالات الاجتماعات وينتظرون وعوده كما ينتظر الفقير صدقة العيد، لكنه نسي – أو تناسى – أن وجوها جديدة ظهرت، وأن الوجع العربي لم يعد يحتمل "تغريدات" ولا يحتاج من يُشعل النيران ويغادر.
الشرق الأوسط لم يعد يبحث عن رعاة للحروب، نحتاج من يزرع شجرة لا من يُوقّع صفقة صواريخ، نحتاج من يُعيد إعمار العقول قبل المدن، من يُعيد الاعتبار للإنسان في معادلة السياسة لا من يُبدّل التحالفات ويكتب خرائط جديدة بدمنا.
في زيارته هذه لم يحمل ترامب جديدًا سوى أنه جاء مُحمّلا بأوهامه القديمة، لم يُحدّث قاموسه ولم يُراجع نفسه، ما زال يؤمن أن المال هو الحل وأن الصفقات هي الطريق إلى القلوب وأن كل مشكلة تُحل بعقوبات أو تهديد أو استثمار في الخوف.
لكن الحقيقة أقسى، فالمعادلة التي لم يفهمها ترامب أن هذا الإقليم لا يطلب الكثير: فقط قليل من العدالة قليل من الاحترام قليل من الصمت الأمريكي في لحظات القتل وكثير من الجدية في لحظات السلام، نريد من أمريكا أن تُصغي، لا أن تُلقي علينا محاضراتها أن ترى وجوهنا لا أن تُحدّق في خريطة أنابيب الغاز.
72 ساعة كافية لتكشف كل شيء، هل جاء ترامب ليبني جسرًا أم ليرفع جدارًا؟ هل يرى في الشعوب مجرد أرقام على شاشة بورصة؟ أم يدرك أن هذه الأرض قد تعبت، وأن الوقت ليس وقت مساومات بل وقت مصارحات؟.
الشرق الأوسط لا يريد ترامب ولا بايدن لا يمينًا ولا يسارًا، بل يريد فقط أن يعيش، يريد أن يعود طفل غزة إلى مدرسته وأن تنام الخرطوم بلا صوت رصاص، وأن تكتب بيروت مستقبلها بالحبر لا بالدم، يريد من الكبار أن يتوقفوا عن استخدامه ملعبًا لتصفية الحسابات.
حين زارنا ترامب بلا قناع رأينا وجه السياسة كما هو: عار جامد لا قلب له، لكننا نؤمن أن للناس وجوهًا أخرى تحلم وتحزن وتحب وتبني، ونحن سنبني.. حتى لو جاء كل زعماء العالم بلا أقنعة.
