شحاتة زكريا يكتب: مصر.. الصمود في وجه العواصف
عبر التاريخ لم تكن مصر مجرد رقعة جغرافية على خريطة العالم، بل كانت وما زالت القلب النابض للأمة الحارس الأمين للقضايا العادلة، والسند الحقيقي لكل من ضاقت به السبل، واليوم ونحن نشهد تحديات غير مسبوقة تحيط بالمنطقة، يثبت المصريون مجددًا أنهم الرقم الصعب في أي معادلة، القادرون على قلب الموازين حين يُظن أن الأمور قد حُسمت.
لطالما كانت غزة جرحًا مفتوحًا في الضمير العربي وأمام محاولات فرض واقع جديد بتهجير سكانها قسرًا، لم تتوانَ مصر لحظة عن الوقوف سدًا منيعًا أمام أي مخطط يهدد حقوق الفلسطينيين، ولم يكن هذا الموقف مجرد كلمات جوفاء، بل كان أفعالًا تترجمها القوافل الإغاثية والتحركات الدبلوماسية والمواقف الحاسمة التي لم تترك مجالًا للشك حول أن مصر لن تقبل بأي حل ينتقص من الحقوق المشروعة لأشقائها.
لكن في عالم السياسة المواقف القوية لا تُبنى على العواطف فقط بل على قوة تستند إلى حكمة وإرادة صلبة، ومصر اليوم ليست كما كانت قبل عقود، فقد أصبحت تمتلك أدوات التأثير بفضل استراتيجيتها المتزنة التي تجمع بين الحزم والعقلانية، ولم تسعَ يومًا إلى التصعيد غير المحسوب، لكنها أيضًا لم تسمح أبدًا بفرض واقع يتناقض مع ثوابتها الوطنية.
وفي الوقت الذي تزداد فيه الضغوط، يثبت المصريون أن وعيهم السياسي أكبر من أي محاولات لخلخلة ثقتهم بدولتهم، هم يدركون أن المعارك لا تُخاض بالانفعال، بل بالإرادة والقدرة على قراءة المشهد بدقة، لقد خاضت مصر معارك وجودية في الماضي وانتزعت حقوقها بعد أن ظن البعض أنها ستتراجع، واليوم هي تسير على النهج ذاته، مؤمنة بأن الأرض كرامة والسيادة ليست أمرًا قابلًا للمساومة.
ورغم محاولات البعض تصوير المشهد وكأن مصر معزولة في موقفها، فإن الحقيقة مغايرة تمامًا، فقد استطاعت القاهرة أن تجمع حولها موقفًا عربيًا صلبًا رافضًا لمخططات التهجير، ولم يكن ذلك نتاج بيانات دبلوماسية فقط ، بل نتيجة تحركات حقيقية على الأرض أثبتت أن مصر حين تتحرك، فهي تفعل ذلك بثقل لا يمكن تجاهله.
إن المواقف العظيمة لا تُبنى على ردود الفعل اللحظية، بل على تراكم طويل من الالتزامات والمبادئ، وهذا ما يجعل موقف مصر ثابتًا غير مرهون بتغير الإدارات أو تبدل المصالح، هي لم تتاجر يومًا بالقضية الفلسطينية، ولم تستخدمها كورقة ضغط لتحقيق مكاسب آنية، بل تعاملت معها كواجب أخلاقي وقومي لا يقبل المساومة.
واليوم بينما يحاول البعض إعادة رسم خرائط النفوذ، تبقى مصر صامدة، قوية بإرثها، عصية على أي محاولة للمساس بدورها، حيث لم تكن في يوم من الأيام دولة تابعة، ولن تكون كذلك أبدًا، بل كانت دائمًا في مقدمة الصفوف حين يتعلق الأمر بالحق وأثبتت للعالم أن من يظن أن بإمكانه تجاوزها في أي معادلة فهو لا يفهم طبيعة هذه الأرض ولا سر هذا الشعب.
في النهاية مهما اشتدت العواصف تبقى مصر هي الحصن، هي السند، وهي الحقيقة الثابتة في معادلة الشرق الأوسط، لأنها ببساطة ليست دولة تبحث عن دور بل هي الدولة التي يصنع وجودها الفارق ويعيد ترتيب المشهد متى أرادت.

