شحاتة زكريا يكتب.. الحوار الوطني فرصة حقيقية أم مجرد مشهد سياسي؟
الحوار الوطني في مصر يُمثل نقطة محورية في المشهد السياسي الحالي، إذ يعكس رغبة الدولة في الانفتاح على مختلف الآراء والتيارات لكنه في الوقت نفسه يثير تساؤلات حول مدى جديته وقدرته على إحداث تغيير ملموس، فمنذ الإعلان عنه انقسمت الآراء بين متفائل يرى فيه خطوة نحو شراكة سياسية حقيقية ومتشكك يخشى أن يكون مجرد محاولة لإضفاء الشرعية على سياسات محددة دون تحقيق نتائج فعلية.
المشكلة الأساسية التي تواجه الحوار الوطني ليست في عقد اللقاءات أو إصدار التوصيات بل في الانتقال إلى مرحلة التنفيذ الفعلي. فالتاريخ مليء بالمبادرات الحوارية التي بدأت بحماس وانتهت دون تأثير يُذكر، إذا كان الهدف من الحوار هو الوصول إلى حلول عملية للأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فمن الضروري أن يكون هناك التزام واضح بتنفيذ ما يتم الاتفاق عليه، وإلا سيظل الأمر مجرد تمرين سياسي لا أكثر.
التحديات التي تواجه الحوار عديدة أولها مدى شمولية المشاركين فيه، فنجاح أي حوار يعتمد على تمثيل جميع الأطراف الفاعلة بما في ذلك القوى المعارضة والمستقلون والنقابات والكيانات الشبابية، لا يمكن لأي نقاش أن يكون مثمرا إذا كان مقتصرا على أطراف متوافقة مسبقا أو تعمل وفق إطار محدد لا يسمح بتقديم رؤى حقيقية للتغيير، إذا لم يكن هناك استعداد للاستماع إلى وجهات النظر المختلفة بجدية فإن الحوار سيفقد مصداقيته سريعًا.
الملف الاقتصادي يُعد من أكثر القضايا إلحاحا التي يجب أن يتناولها الحوار بواقعية وشفافية، الأزمة الاقتصادية التي تمر بها مصر تتطلب حلولا جذرية وخططا واضحة تعكس فهما حقيقيا لأسباب المشكلة، وليس فقط معالجة أعراضها. الإصلاح الاقتصادي لا يمكن أن يكون مسؤولية الحكومة وحدها بل يحتاج إلى مشاركة واسعة من القطاع الخاص والمجتمع المدني والخبراء المستقلين لضمان تحقيق تنمية مستدامة يشعر بها المواطن العادي.
المواطن البسيط لن يهتم كثيرا بالمناقشات السياسية بقدر ما يهمه أن يرى نتائج حقيقية على أرض الواقع، تحسين مستوى المعيشة توفير فرص العمل، ضبط الأسعار وتعزيز الخدمات الأساسية مثل الصحة والتعليم، كلها قضايا تمس حياة الناس اليومية ويجب أن تكون محورا أساسيا لأي حوار وطني حقيقي، إذا شعر المواطن بأن الحوار لا يعكس احتياجاته الفعلية، فإنه سيفقد اهتمامه سريعا وسينظر إليه باعتباره مجرد وسيلة لاستهلاك الوقت دون فائدة ملموسة.
الإعلام أيضا يلعب دورا مهما في تعزيز الحوار أو تقويضه، التغطية الإعلامية يجب أن تتجاوز نقل التصريحات الرسمية إلى مناقشة القضايا المطروحة بعمق وموضوعية، مع توفير مساحة للأصوات المختلفة بدلا من التركيز فقط على الاتجاهات السائدة، إذا ظل الإعلام منحازا لرؤية واحدة، فإنه سيفقد قدرته على التأثير وسيفقد الحوار قيمته كوسيلة للتفاعل المجتمعي الحقيقي.
التجارب السابقة في مصر وخارجها تؤكد أن أي حوار وطني لا يمكن أن ينجح إلا إذا كان هناك التزام سياسي واضح بتنفيذ مخرجاته، فبدون هذا الالتزام ستظل الحوارات مجرد اجتماعات تملأ العناوين الرئيسية دون أن تترك أثرا حقيقيا على أرض الواقع، المطلوب اليوم ليس فقط الاستماع بل اتخاذ قرارات جريئة تُترجم إلى إصلاحات ملموسة تعكس تطلعات الشعب المصري.
السؤال الذي يظل مطروحا: هل نحن أمام فرصة حقيقية لإعادة بناء المشهد السياسي والاقتصادي في مصر أم أن الحوار الوطني سيكون مجرد حلقة جديدة من محاولات تهدئة الأوضاع دون تغيير فعلي؟، الإجابة تعتمد على مدى الجدية في التعامل مع القضايا المطروحة، والاستعداد لاتخاذ خطوات عملية تجعل من الحوار وسيلة للتغيير وليس مجرد غطاء لإعادة إنتاج الواقع القائم.