من الظلام إلى النور.. 100 شاب يكتبون فصلًا جديدًا من الحياة في مطروح
لم يعد علاج الإدمان في العصر الحديث مجرد تدخل طبي يهدف إلى تخليص الجسد من آثار المواد المخدرة، بل أصبح مشروعًا إنسانيًا متكاملًا يسعى إلى إعادة بناء الإنسان نفسيًا واجتماعيًا ومهنيًا.
فالإدمان ليس مرضًا يصيب الجسد وحده، وإنما أزمة تمس الوعي والإرادة والعلاقات الاجتماعية، وتترك آثارًا عميقة تمتد إلى الأسرة والمجتمع والاقتصاد.
ومن هنا، فإن نجاح أي منظومة علاجية لا يُقاس بعدد المتعافين فحسب، وإنما بقدرتها على تحويل المتعافي من شخص يواجه خطر الانتكاسة إلى فرد منتج يمتلك القدرة على استعادة حياته ومكانته داخل المجتمع.

وفي هذا السياق، برز مركز العزيمة لعلاج وتأهيل مرضى الإدمان بمحافظة مطروح بوصفه أحد النماذج الوطنية التي تعكس تطور السياسة المصرية في التعامل مع قضية الإدمان، حيث لم يعد العلاج قائمًا على مواجهة المرض فقط، بل أصبح يعتمد على فلسفة التأهيل الشامل، التي تنطلق من احترام كرامة الإنسان وإيمانه بقدرته على البدء من جديد.
من العلاج لبناء الإنسان
جاء افتتاح مركز العزيمة في إطار الاستراتيجية القومية لمكافحة المخدرات والحد من مخاطر التعاطي والإدمان، التي أُطلقت تحت رعاية فخامة رئيس الجمهورية، وتنفذها الدولة بالتعاون بين صندوق مكافحة وعلاج الإدمان والتعاطي والوزارات والجهات المعنية.
وتستند هذه الاستراتيجية إلى رؤية شاملة تقوم على عدة محاور متكاملة، تشمل الوقاية والتوعية، والكشف المبكر، والعلاج المجاني، والتأهيل النفسي والاجتماعي، وصولًا إلى دمج المتعافين في المجتمع وسوق العمل، بما يضمن تقليل معدلات الانتكاسة وتحويل رحلة العلاج إلى نقطة انطلاق جديدة في حياة المتعافي.
احتفال يحمل رسالة أمل
شهدت الدكتورة مايا مرسي، وزيرة التضامن الاجتماعي ورئيس مجلس إدارة صندوق مكافحة وعلاج الإدمان والتعاطي، واللواء خالد شعيب، محافظ مطروح، والدكتور عمرو عثمان، مدير صندوق مكافحة وعلاج الإدمان والتعاطي، حفل تخريج مائة متعافٍ جديد من مركز العزيمة بمدينة مرسى مطروح، غالبيتهم من أبناء منطقة بشاير الخير، بعد إتمام البرامج العلاجية والتأهيلية وفق أحدث المعايير الدولية.

وحضر الاحتفال عدد من القيادات التنفيذية والشعبية بالمحافظة، من بينهم نائب المحافظ، والسكرتير العام، والسكرتير العام المساعد، وأعضاء الهيئة البرلمانية، ورئيس مجلس العمد والمشايخ، إلى جانب قيادات صندوق مكافحة الإدمان.
ولم يكن الحفل مجرد مناسبة لتوزيع شهادات التخرج، بل حمل رسالة رمزية تؤكد أن المجتمع قادر على احتضان أبنائه بعد التعافي، وأن الطريق إلى المستقبل لا يُغلق أمام من امتلك الشجاعة لمواجهة المرض والانتصار عليه.
موقع استراتيجي
يقع مركز العزيمة على طريق القصر بمدينة مرسى مطروح، بجوار محطة كهرباء الأليبان، في موقع يسهل الوصول إليه من مختلف مراكز المحافظة، كما يخدم أبناء المحافظات المجاورة، وهو ما يجعله أحد أهم المراكز العلاجية في منطقة الساحل الشمالي الغربي.
ويضم المركز عيادات خارجية، وأقسامًا للإقامة الداخلية، بطاقة استيعابية تتجاوز 130 سريرًا، بما يسمح باستقبال أعداد كبيرة من المرضى، مع توفير بيئة علاجية متكاملة تراعي الجوانب الصحية والنفسية والاجتماعية.

العلاج بالمجان
من أبرز ما يميز المركز تقديم جميع الخدمات العلاجية بالمجان، في إطار السياسة التي ينتهجها صندوق مكافحة الإدمان لضمان وصول الخدمة إلى جميع المواطنين دون تمييز.
وتبدأ رحلة العلاج بالتواصل مع الخط الساخن (16023)، الذي يعمل على مدار الساعة لاستقبال طلبات العلاج بسرية تامة، ثم يتم تحديد موعد الكشف الطبي، ووضع خطة علاجية تناسب الحالة الصحية والنفسية لكل مريض.
وتعد السرية الكاملة إحدى الركائز الأساسية في المنظومة العلاجية، إدراكًا لما قد يواجهه المريض من وصمة اجتماعية، وهو ما يشجع كثيرين على طلب العلاج دون خوف أو تردد.
رحلة علاج تبدأ من الجسد
تمر رحلة التعافي داخل مركز العزيمة بعدة مراحل مترابطة، تبدأ بسحب السموم تحت إشراف طبي متخصص، مع متابعة دقيقة للحالة الصحية، ثم ينتقل المريض إلى مرحلة العلاج النفسي والسلوكي.
ويعتمد المركز على برامج العلاج المعرفي السلوكي، التي تُعد من أكثر الأساليب فاعلية في علاج الإدمان، حيث تساعد المتعافي على فهم أنماط التفكير التي قادته إلى التعاطي، وتدريبه على استبدالها بسلوكيات صحية، إلى جانب برامج الوقاية من الانتكاسة، والعلاج الجماعي، والدعم النفسي المستمر.

ولا تقتصر المنظومة العلاجية على الجانب النفسي، بل تمتد إلى إعادة تأهيل الشخصية بالكامل، من خلال تنمية الثقة بالنفس، وتعزيز مهارات اتخاذ القرار، وإعادة بناء العلاقات الأسرية والاجتماعية.
العلاج بالعمل
تتبنى مراكز العزيمة مفهوم "العلاج بالعمل"، باعتباره أحد أهم أدوات إعادة دمج المتعافين في المجتمع.
ولهذا يضم المركز ورشًا للتدريب المهني، تتيح للمتعافين تعلم حرف ومهارات يحتاج إليها سوق العمل، بما يمنحهم فرصة حقيقية للاستقلال الاقتصادي بعد انتهاء رحلة العلاج.
فالعمل، في هذه الفلسفة، ليس مجرد وسيلة للحصول على دخل، بل هو استعادة للكرامة الإنسانية، وإعادة اكتشاف لقدرات الفرد، وبناء لجسر جديد يربطه بالمجتمع بعيدًا عن دائرة الإدمان.

الرياضة والترفيه
أدركت المؤسسات العلاجية الحديثة أن التعافي لا يتحقق داخل غرف العلاج وحدها، لذلك يوفر المركز ملاعب رياضية خماسية، وبرامج لياقة بدنية، وأنشطة ترفيهية وثقافية، تسهم في تحسين الحالة النفسية، وتخفيف الضغوط، وتعزيز روح التعاون والانتماء.
وتساعد هذه الأنشطة على تكوين نمط حياة صحي، يعزز من قدرة المتعافي على مواجهة الضغوط المستقبلية دون العودة إلى التعاطي.
توسع بالخدمات العلاجية
يمثل مركز العزيمة بمحافظة مطروح أحد ثلاثة مراكز افتتحها فخامة السيد رئيس الجمهورية في محافظات مطروح والبحر الأحمر وبورسعيد، ضمن خطة الدولة للتوسع في خدمات علاج وتأهيل مرضى الإدمان.
وبافتتاح هذه المراكز ارتفع عدد المراكز العلاجية التابعة لصندوق مكافحة وعلاج الإدمان والجهات الشريكة مع الخط الساخن (16023) إلى 35 مركزًا موزعة على 20 محافظة، في خطوة تعكس حرص الدولة على إتاحة العلاج المجاني لجميع المواطنين، وتقليل الفجوة الجغرافية في الحصول على الخدمة.

الإدمان قضية مجتمع
تكشف التجارب الإنسانية أن الإدمان لا ينشأ في فراغ، بل يتداخل مع عوامل نفسية واجتماعية واقتصادية وثقافية متعددة. ولذلك فإن نجاح برامج العلاج يتطلب تعاون الأسرة، والمدرسة، والمؤسسات الدينية، ووسائل الإعلام، ومنظمات المجتمع المدني، جنبًا إلى جنب مع المؤسسات العلاجية.
فالوقاية تبدأ من بناء الوعي، ومن ترسيخ ثقافة الحوار داخل الأسرة، ومن توفير بيئة تمنح الشباب الأمل والانتماء، لأن الإنسان الذي يجد معنى لحياته أقل عرضة للوقوع في براثن الإدمان.
فلسفة التعافي
ليست الشجاعة في ألا يسقط الإنسان، وإنما في أن ينهض بعد السقوط. وهذه هي الرسالة الأعمق التي يجسدها مركز العزيمة. فالمتعافي لا يعود إلى المجتمع بوصفه شخصًا نجا من المرض فحسب، بل بوصفه إنسانًا أعاد اكتشاف ذاته، واستعاد قدرته على الحلم والعمل والعطاء.

إن تخريج مائة متعافٍ جديد ليس مجرد رقم يُضاف إلى سجلات الإنجاز، بل هو مائة قصة انتصار على اليأس، ومائة أسرة استعادت أبناءها، ومائة دليل على أن الإرادة الإنسانية، حين تجد الدعم الصحيح، تستطيع أن تنتصر على أكثر الأزمات تعقيدًا.
وفي النهاية، يبقى الاستثمار الحقيقي لأي دولة هو الاستثمار في الإنسان؛ لأن المجتمعات لا تُبنى بالحجر وحده، بل تُبنى بالعقول السليمة، والإرادات الحرة، والقلوب التي تؤمن بأن لكل إنسان فرصة جديدة، وأن التعافي ليس نهاية الطريق، بل بداية حياة أكثر وعيًا وكرامة وأملًا.



