استصلاح 1.5 مليون فدان بمنطقة الفرافرة
شهد شهر ديسمبر عام 2015 تدشين المرحلة الأولى من المشروع القومي لاستصلاح 1.5 مليون فدان بمنطقة الفرافرة، وذلك من خلال استصلاح وزراعة 10 آلاف فدان بمنطقة سهل بركة، في خطوة مثلت بداية فعلية لأحد أكبر مشروعات التنمية الزراعية والعمرانية في مصر. ويستهدف المشروع إقامة مجتمعات زراعية متكاملة تعتمد على أحدث أساليب الزراعة والإدارة المستدامة للموارد، بما يسهم في زيادة الرقعة الزراعية، وتحقيق الأمن الغذائي، وخلق فرص عمل، وإقامة تجمعات عمرانية جديدة خارج الوادي الضيق.
المنطقة الزراعية.. 10 آلاف فدان تعتمد على أحدث نظم الري
يمثل العنصر الأول من المشروع المنطقة الزراعية التي تمتد على مساحة 10 آلاف فدان، حيث تم بالفعل زراعة نحو 7500 فدان باستخدام نظم الري الحديثة، بما يحقق أعلى كفاءة في استهلاك المياه ورفع إنتاجية الأراضي.
واعتمد المشروع على نظام الري بالرش المحوري في جانب كبير من المساحات المزروعة، بينما خُصصت مساحة 2500 فدان للعمل بنظام الري بالتنقيط، بما يتناسب مع طبيعة المحاصيل المختلفة ويضمن الاستخدام الأمثل للموارد المائية.
ولتوفير الاحتياجات المائية اللازمة لكامل المساحة، تم حفر 40 بئرًا للمياه الجوفية بعمق يتراوح بين 800 و1000 متر، وذلك باستخدام أحدث الحفارات العالمية التي وفرتها الهيئة الهندسية للقوات المسلحة بالتعاون مع حفارات الشركات المدنية وشركات قطاع البترول، كما جرى إنشاء 15 حوض أكسدة، تبلغ سعة كل منها 22 ألف متر مكعب، بهدف معالجة المياه المستخرجة وإزالة نسب الحديد والمنجنيز منها قبل استخدامها في الزراعة، إلى جانب تنفيذ 15 غرفة طلمبات لسحب المياه من أحواض الأكسدة وضخها عبر شبكات الري الحديثة إلى مختلف الأراضي الزراعية.
قرى زراعية وخدمية لإقامة مجتمع عمراني متكامل
يتضمن العنصر الثاني من المشروع إنشاء مجتمع عمراني متكامل يضم قريتين زراعيتين وقرية خدمية، حيث تبلغ مساحة كل قرية زراعية 400 فدان، بينما تمتد القرية الخدمية على مساحة 800 فدان، بما يوفر بيئة متكاملة للحياة والعمل والإنتاج.
ومن المخطط أن تستوعب هذه القرى ما بين 10 آلاف و15 ألف نسمة، من خلال إنشاء 2000 بيت ريفي و40 عمارة سكنية.
وصُممت البيوت الريفية على مساحة إجمالية تبلغ 200 متر مربع، منها 100 متر مساحة بنائية تضم ثلاث غرف وصالة ومطبخًا وحمامًا، بينما خُصصت الـ100 متر الأخرى كفناء أو "حوش" يسمح بتربية الطيور والحيوانات، بما يعكس طبيعة الريف المصري الجديد ويعزز مصادر دخل الأسر.
كما روعي في التصميم إمكانية التوسع المستقبلي، إذ تم تنفيذ المنازل بدور أرضي قابل لإضافة طابق آخر عند الحاجة إلى استيعاب زيادة أعداد السكان، بما يضمن مرونة التخطيط العمراني على المدى الطويل.
وحدات سكنية وخدمات متكاملة لدعم المجتمع الجديد
لم يقتصر المشروع على توفير مساكن للمزارعين فقط، بل شمل أيضًا إنشاء 40 عمارة سكنية مخصصة للعاملين بالموقع من أطباء ومدرسين ومشرفين ورجال الشرطة وغيرهم، وتتكون كل عمارة من دور أرضي وطابقين متكررين بإجمالي 480 وحدة سكنية بمساحات متنوعة تبلغ 85 و120 مترًا مربعًا.
ويضم المشروع كذلك 29 منشأة خدمية تلبي احتياجات السكان، وتشمل ثلاث مدارس يضم كل منها 28 فصلًا، وثلاث حضانات تحتوي كل واحدة منها على ثلاثة فصول، بالإضافة إلى ثلاث وحدات صحية، وقسم شرطة، ووحدة بيطرية، والبنك الزراعي، والشركة الزراعية، وإدارة الري، ومكتب بريد، ومبنى للمجلس الاجتماعي، إلى جانب مبنى للورش اليدوية يضم 20 ورشة مخصصة للسيدات والفتيات.
كما تم إنشاء ثلاثة أسواق تجارية تضم في مجملها 148 محلًا لتوفير مختلف السلع والخدمات للسكان، فضلًا عن إقامة تسعة مساجد موزعة على القرى الثلاث وتتسع لنحو 1900 مصلٍ.
بنية تحتية متطورة تعتمد على الاكتفاء الذاتي
استلزم تنفيذ هذا المشروع الضخم توفير أحدث المعدات المستخدمة في قطاع التشييد، بما في ذلك مضخات صب الخرسانة، وعربات نقل وخلط الخرسانة التابعة للشركات المدنية، إلى جانب معدات وخلاطات الهيئة الهندسية للقوات المسلحة، وذلك لضمان تنفيذ الأعمال وفق أعلى معايير الجودة.
كما جرى التخطيط لإنشاء منظومة مرافق متكاملة تعتمد على الاكتفاء الذاتي دون الحاجة للاعتماد على المرافق التقليدية للدولة، سواء في المياه أو الكهرباء أو الصرف الصحي.
وفي قطاع مياه الشرب، تم تنفيذ بئرين بعمق 800 متر، مع استكمال أعمال محطة معالجة رئيسية لإزالة الحديد والمنجنيز من المياه، بطاقة إنتاجية تبلغ 4000 متر مكعب يوميًا، بالإضافة إلى تنفيذ خط مياه بطول 23 كيلومترًا وقطر 8 بوصات، يصل إلى ثلاث محطات رفع بإجمالي طاقة 4000 متر مكعب يوميًا، ثم شبكة تغذية بطول 26 كيلومترًا وقطر 6 بوصات.
أما منظومة الصرف الصحي فتضم خطوط انحدار بطول 26 كيلومترًا بأقطار تتراوح بين 8 و12 بوصة، إضافة إلى خطوط طرد بإجمالي أطوال 3.5 كيلومتر، وشبكة ري للمسطحات الخضراء بطول 24 كيلومترًا.
كهرباء هجينة وشبكة طرق تدعم التنمية
اعتمد المشروع على منظومة كهرباء هجينة تجمع بين الطاقة الحرارية والطاقة الشمسية، حيث تم تنفيذ محطة توليد كهرباء تعمل بالديزل بقدرة 16 ميجاوات، مع تنفيذ محطة أخرى للطاقة الشمسية بقدرة 4 ميجاوات، فضلًا عن إنشاء موزع جهد يضم 19 خلية، وتركيب 47 محولًا، ومد كابلات جهد متوسط ومنخفض بطول 324 كيلومترًا، بالإضافة إلى تنفيذ موصلات هوائية بطول 382 كيلومترًا على 2940 برجًا وعمود إنارة.
وفي إطار دعم حركة النقل والخدمات اللوجستية، تم تنفيذ 130 كيلومترًا من الطرق الداخلية داخل القرى الثلاث، إلى جانب إنشاء ثلاثة محاور رئيسية تربط الفرافرة بشبكة الطرق القومية، وهي طريق الفرافرة - ديروط بطول 310 كيلومترات، وطريق الفرافرة - الواحات البحرية بطول 140 كيلومترًا، وطريق الفرافرة - عين دالة - سيوة بطول 210 كيلومترات، بما يسهم في تسهيل نقل المنتجات الزراعية والصناعية إلى مختلف محافظات الجمهورية، وفتح آفاق واسعة للتصدير إلى الأسواق العالمية، ليصبح المشروع نموذجًا متكاملًا للتنمية الزراعية والعمرانية المستدامة في قلب الصحراء المصرية.