رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

«الدهابة».. من حلم الثراء إلى خطر يهدد ذهب مصر واقتصادها

ملف الدهابة
ملف الدهابة

في قلب الصحراء الشرقية، حيث الجبال الشاهقة والوديان الممتدة التي تختزن ثروات معدنية ضخمة، تبدأ رحلة محفوفة بالمخاطر بحثًا عن بريق الذهب. هناك يتحرك ما يُعرف بـ«الدهابة»؛ وهم منقبون يعملون خارج الإطار القانوني بحثًا عن خام الذهب بطرق عشوائية، لتتحول الظاهرة من مجرد عمليات فردية إلى ملف معقد يجمع بين استنزاف الثروات الطبيعية، والمخاطر البيئية، والتحديات الأمنية، وخسائر اقتصادية بملايين الدولارات.

وخلال الفترة الأخيرة، أعادت سلسلة «درع الجنوب» التي يقدمها المتحدث العسكري الضوء على خطورة ملف التنقيب غير المشروع عن الذهب، باعتباره نشاطًا لا يقتصر تأثيره على فقدان موارد الدولة، وإنما يمتد إلى تهديدات مرتبطة بالتهريب والجريمة المنظمة واختراق الحدود الجنوبية.

الصحراء الشرقية.. خريطة الذهب ومناطق نشاط الدهابة

تتركز أنشطة التنقيب غير القانوني عن الذهب في المناطق الغنية جيولوجيًا بالصحراء الشرقية وجنوب الصعيد، حيث تنتشر عروق الذهب داخل الصخور الجبلية، خاصة في مناطق حلايب وشلاتين وجنوب أسوان.

وتأتي أبرز مناطق نشاط الدهابة في:

جبل إيقات ومناطق حلايب وشلاتين ومحمية جبل علبة، وهي من المناطق الواعدة باحتياطيات الذهب.

وادي العلاقي وجبل الوديان جنوب شرق أسوان، حيث تنتشر العروق الحاملة للذهب.

مرسى علم والقصير والفواخير على امتداد طريق قنا – سفاجا، وهي مناطق تاريخية للتعدين.

بعض المناطق المحددة في جنوب سيناء.

وتتميز هذه المناطق بطبيعتها الجغرافية الوعرة، وهو ما يجعل الوصول إليها صعبًا، ويمنح بعض شبكات التنقيب غير المشروع فرصة للتحرك بعيدًا عن الرقابة.

ملايين الدولارات تضيع سنويًا.. حجم خسائر التنقيب العشوائي

يمثل الذهب المستخرج بعيدًا عن القنوات الرسمية اقتصادًا موازيًا يحرم الدولة من الاستفادة من أحد أهم مواردها الطبيعية.

وتشير تقديرات اقتصادية إلى أن حجم الذهب المستخرج بشكل غير قانوني والمهرب سنويًا يتراوح بين 1.5 و3 أطنان من الذهب الخام، وهو ما يعادل خسائر مالية تقدر بنحو 200 إلى 400 مليون دولار سنويًا وفق مستويات الأسعار العالمية المرتفعة.

كما تشير تقديرات أخرى إلى وجود أعداد كبيرة من العاملين في هذا النشاط غير الرسمي، قد تصل في فترات الذروة إلى 15 ألفًا و20 ألف شخص، يعملون من خلال مجموعات منظمة تعتمد على شبكات للتمويل والنقل والتسويق خارج الإطار القانوني.

ولا تقتصر الخسائر على الجانب المالي فقط، بل تمتد إلى فقدان فرص تشغيل رسمية، وحرمان الدولة من عوائد كان يمكن توجيهها لدعم الاحتياطي النقدي وزيادة الإنتاج المحلي.

كيف يعمل الدهابة؟.. من البحث عن العروق إلى استخلاص الذهب

لم تعد عمليات التنقيب العشوائي تعتمد فقط على البحث التقليدي، بل تطورت لتصبح عملية منظمة تستخدم معدات حديثة.

تبدأ العملية بمرحلة الرصد والمسح الجيولوجي، حيث يستخدم بعض المنقبين أجهزة كشف معادن متقدمة وأجهزة لرصد طبقات الأرض بهدف تحديد مناطق وجود عروق الذهب داخل صخور المرو «الكوارتز».

بعد العثور على الصخور الحاملة للذهب، يتم نقلها باستخدام سيارات دفع رباعي عبر الدروب الصحراوية إلى أماكن مخصصة للطحن والتكسير، ومنها ورش سرية تنتشر في بعض المناطق القريبة من مواقع التنقيب.

ثم تبدأ مرحلة استخلاص الذهب بطرق بدائية تعتمد في بعض الحالات على استخدام مواد شديدة الخطورة مثل الزئبق والسيانيد، حيث يتم خلط الخام المسحوق بهذه المواد لفصل الذهب عن باقي مكونات الصخور.

وتسبب هذه الطرق أضرارًا بيئية خطيرة، من بينها تلوث التربة والمياه الجوفية، إضافة إلى تعرض العاملين لمخاطر صحية بسبب التعامل مع مواد سامة قد تؤدي إلى التسمم وأمراض خطيرة.

رحلة محفوفة بالموت.. مخاطر العمل في مناطق التنقيب

لا تمثل عمليات التنقيب غير المشروع خسارة اقتصادية فقط، بل تحمل مخاطر إنسانية كبيرة للعاملين بها، بسبب طبيعة المناطق الصحراوية القاسية وغياب عوامل الأمان.

وشهدت مناطق جنوب الصعيد والصحراء الشرقية حوادث متكررة لمنقبين فقدوا حياتهم بسبب العطش أو التيه داخل الجبال، ومن أبرزها حادثة وفاة عدد من المنقبين في جبال العلاقي بأسوان بعد فقدانهم الطريق.

كما يعمل بعض أفراد هذه المجموعات في ظروف غير آمنة، سواء أثناء الحفر أو استخدام المواد الكيميائية أو تشغيل المعدات الثقيلة.

من نشاط عشوائي إلى ملف أمني.. ارتباطات عابرة للحدود

تحول ملف الدهابة إلى قضية أمنية بسبب ارتباط بعض شبكاته بأنشطة غير قانونية أخرى، خاصة في المناطق الحدودية الجنوبية.

وتشير الجهات المعنية إلى وجود محاولات تسلل عبر الحدود من بعض دول الجوار، إضافة إلى ارتباط بعض عناصر التنقيب غير المشروع بشبكات تهريب تشمل السلاح والمخدرات والبشر.

كما أدى انتشار الأسلحة غير المرخصة بين بعض هذه المجموعات إلى زيادة خطورة النشاط، بسبب النزاعات على مواقع التنقيب وفرض السيطرة على مناطق استخراج الذهب.

ضربات أمنية وملاحقات.. الدولة تواجه الظاهرة

ضمن جهود مكافحة التنقيب غير المشروع، شهدت الفترة الأخيرة تحركات أمنية موسعة استهدفت البؤر التي تنشط بها مجموعات البحث العشوائي عن الذهب، وخلال عمليات أمنية حديثة، تم ضبط عشرات المتهمين من المصريين والأجانب، إلى جانب مصادرة سيارات دفع رباعي ومعدات تستخدم في التنقيب، بالإضافة إلى أسلحة وذخائر غير مرخصة.

وتأتي هذه التحركات في إطار حماية الحدود الجنوبية والحفاظ على موارد الدولة ومنع استغلال الثروات المعدنية خارج الإطار القانوني.

التقنين بدلًا من المنع.. استراتيجية الدولة للاستفادة من الذهب

لم تعتمد الدولة على الجانب الأمني فقط في التعامل مع الظاهرة، بل اتجهت إلى توفير بديل قانوني يسمح بتحويل النشاط العشوائي إلى إنتاج رسمي يخدم الاقتصاد.

وجاء ذلك من خلال دور شركة شلاتين للثروة المعدنية باعتبارها إحدى الأدوات الرئيسية لتنظيم التعدين الأهلي، حيث تعمل على:

تقنين أوضاع العاملين في مجال التنقيب ضمن مناطق محددة.

شراء الذهب المستخرج بأسعار عادلة من خلال منظومة رسمية.

ضمان وصول الإنتاج إلى القنوات الشرعية بدلًا من التهريب.

دعم الاحتياطي الاستراتيجي من الذهب من خلال تسليم الإنتاج للبنك المركزي.

منجم إيقات.. نموذج للتعدين الرسمي

يمثل منجم «إيقات» أحد أبرز مشروعات الذهب الحديثة في مصر، بعد الإعلان عن اكتشافه في الصحراء الشرقية باحتياطي يقدر بنحو مليون أوقية من الذهب.

ويأتي تشغيل المنجم ضمن توجه الدولة نحو زيادة الإنتاج المحلي من الذهب، وتعظيم الاستفادة من الثروات المعدنية من خلال شركات تعمل وفق قواعد قانونية وبيئية منظمة.

عقوبات مشددة لمواجهة التنقيب غير القانوني

وضعت الدولة إطارًا قانونيًا لمواجهة عمليات التنقيب غير المرخص، من خلال قانون الثروة المعدنية وتعديلاته، حيث تشمل العقوبات:

الحبس والغرامات المالية على أعمال التنقيب دون ترخيص.

غرامات تصل إلى 5 ملايين جنيه في بعض الحالات.

مصادرة المعدات والسيارات المستخدمة في استخراج ونقل الخام.

تشديد العقوبات في حالات التكرار أو استخدام وسائل غير قانونية.

يمثل ملف «الدهابة» اختبارًا لقدرة الدولة على تحقيق التوازن بين حماية مواردها الطبيعية، وفتح المجال أمام المواطنين للعمل بشكل قانوني داخل قطاع التعدين، وتسعى مصر من خلال التوسع في التنقيب الرسمي وتقنين التعدين الأهلي إلى تحويل الذهب من نشاط عشوائي محفوف بالمخاطر إلى صناعة منظمة قادرة على دعم الاقتصاد، وزيادة الإنتاج، وتعظيم الاستفادة من ثروات الصحراء المصرية.

تم نسخ الرابط