لقيادة النمو في القارة..
سوق تأمين بـ1.1 مليار دولار يراهن على التكنولوجيا والاستثمارات بوسط أفريقيا
تتجه أنظار شركات التأمين وإعادة التأمين العالمية بشكل متزايد نحو إقليم وسط أفريقيا، باعتباره أحد أكثر الأسواق الواعدة للنمو خلال السنوات المقبلة، رغم أن معدلات انتشار التأمين فيه لا تزال من بين الأدنى على مستوى القارة. فالإقليم، الذي يضم أكثر من 200 مليون نسمة ويزخر باحتياطيات ضخمة من النفط والغاز والمعادن الاستراتيجية، يمتلك مقومات اقتصادية كبيرة، بينما لا تزال شريحة واسعة من السكان والمنشآت خارج مظلة التأمين.
وتشير الدراسات إلى أن انخفاض معدلات الاختراق التأميني لم يعد يُنظر إليه باعتباره نقطة ضعف، بل أصبح فرصة استثمارية كبيرة في ظل الإصلاحات التشريعية، والتوسع في الخدمات الرقمية، وزيادة الاستثمارات في قطاعات الطاقة والتعدين والبنية التحتية.
تاريخ طويل من التحديات أعاق نمو القطاع
لم يكن تأخر صناعة التأمين في دول وسط أفريقيا نتيجة عامل واحد، بل جاء نتيجة تداخل عوامل سياسية واقتصادية واجتماعية امتدت لعقود.
فبعد الاستقلال، انشغلت الحكومات بإعادة بناء مؤسسات الدولة وتوفير الخدمات الأساسية، بينما ظل قطاع التأمين خارج أولويات التنمية. كما ساهم انتشار الاقتصاد غير الرسمي، وانخفاض مستويات الدخل، وضعف الثقافة التأمينية، والاعتماد على التضامن الأسري في الحد من الطلب على المنتجات التأمينية.
إلى جانب ذلك، واجهت الشركات نقصًا في الكوادر الفنية، وغياب البيانات اللازمة لتقييم الأخطار، وارتفاع تكاليف التشغيل، ما دفعها للتركيز على الشركات الكبرى والقطاعات الحكومية بدلًا من التوسع في تأمين الأفراد.
سوق بقيمة 1.1 مليار دولار.. ونسبة انتشار لا تتجاوز 0.7%
رغم الإمكانات الكبيرة، لا يزال حجم سوق التأمين في إقليم وسط أفريقيا محدودًا نسبيًا، إذ تبلغ قيمة الأقساط نحو 1.1 مليار دولار فقط، بينما لا تتجاوز نسبة انتشار التأمين 0.7% من الناتج المحلي.
وتتركز غالبية الأقساط في ثلاث دول رئيسية هي:
الكاميرون.
جمهورية الكونغو الديمقراطية.
الجابون.
وتستحوذ تأمينات الممتلكات والسيارات على الحصة الأكبر من السوق، في حين لا تزال تأمينات الحياة تمثل نسبة محدودة للغاية.
الإصلاحات التشريعية أعادت ثقة المستثمرين
شهدت السنوات الأخيرة تحديثات واسعة في القوانين المنظمة لقطاع التأمين، شملت رفع متطلبات رؤوس الأموال، وتشديد معايير الملاءة المالية، وتعزيز الحوكمة والإفصاح، إلى جانب تطوير نظم الرقابة الإلكترونية وتسريع إجراءات تسوية التعويضات.
وساهمت هذه الإصلاحات في تحسين بيئة الاستثمار وزيادة ثقة شركات التأمين وإعادة التأمين العالمية في أسواق الإقليم.
«CIMA» و«CEMAC».. تجربة تنظيمية عززت التكامل
لعبت المنظمات الإقليمية دورًا محوريًا في تطوير الصناعة، وعلى رأسها المؤتمر الأفريقي لأسواق التأمين (CIMA)، الذي نجح في توحيد التشريعات المنظمة لسوق التأمين بين عدد من دول غرب ووسط أفريقيا، ووضع معايير موحدة للترخيص والرقابة والملاءة المالية.
كما ساهمت المجموعة الاقتصادية والنقدية لوسط أفريقيا (CEMAC) في دعم التكامل الاقتصادي وتسهيل حركة رؤوس الأموال، وهو ما انعكس إيجابًا على قطاع الخدمات المالية، وفي مقدمتها التأمين.
لماذا تغيرت نظرة شركات إعادة التأمين؟
بدأت شركات إعادة التأمين العالمية تعيد تقييم أسواق وسط أفريقيا نتيجة عدة عوامل، أبرزها:
التوسع في مشروعات الطرق والموانئ والسكك الحديدية ومحطات الكهرباء.
زيادة الاستثمارات الأجنبية في النفط والغاز والتعدين.
تصاعد مخاطر التغيرات المناخية والحاجة إلى حلول تأمينية متطورة.
تحسن الأطر الرقابية والمالية في العديد من الدول.
ولم يعد دور شركات إعادة التأمين يقتصر على توفير الطاقة الاستيعابية، بل أصبح يشمل نقل الخبرات الفنية، وتدريب الكوادر، ودعم الابتكار والتحول الرقمي.
الهاتف المحمول يقود الثورة التأمينية
أحد أهم التحولات التي يشهدها الإقليم يتمثل في الاعتماد المتزايد على الهواتف المحمولة لتقديم الخدمات التأمينية.
ففي مناطق كثيرة لا تتوافر فيها فروع للبنوك أو شركات التأمين، أصبحت المحافظ الرقمية ومنصات الدفع الإلكتروني وسيلة رئيسية للاشتراك في وثائق التأمين وسداد الأقساط.
كما انتشرت برامج التأمين متناهي الصغر التي توفر تغطيات منخفضة التكلفة للحوادث الشخصية والعلاج الأساسي والمحاصيل الزراعية، ما ساهم في إدخال ملايين المواطنين إلى منظومة التأمين لأول مرة.
التحول الرقمي يغير قواعد المنافسة
تشهد شركات التأمين في وسط أفريقيا تحولًا رقميًا متسارعًا، مع توسع استخدام:
التطبيقات الإلكترونية.
الذكاء الاصطناعي.
تحليل البيانات الضخمة.
التوقيع الإلكتروني.
التعويضات الرقمية.
شركات التكنولوجيا التأمينية (InsurTech).
وأصبح نجاح الشركات يعتمد بصورة متزايدة على قدرتها على توظيف التكنولوجيا لتقديم خدمات أسرع وأكثر كفاءة، وليس فقط على حجم رأس المال أو عدد الفروع.
ثلاثة فروع تقود النمو المستقبلي
تأمينات الحياة
يتوقع الخبراء أن تكون من أسرع الفروع نموًا مع توسع الطبقة المتوسطة وارتفاع التوظيف في قطاعات النفط والغاز والخدمات، إلى جانب انتشار المنتجات منخفضة التكلفة.
التأمين الطبي
أبرزت جائحة كورونا أهمية التأمين الصحي، ما دفع الحكومات والقطاع الخاص إلى تطوير برامج جديدة للتغطية الطبية، مع الاعتماد على الخدمات الرقمية لإدارة الوثائق والمطالبات.
التأمين الزراعي
يمثل القطاع الزراعي أحد أكبر مجالات النمو، خاصة مع استخدام الأقمار الصناعية والبيانات المناخية في تقييم الأخطار، وظهور وثائق تعتمد على مؤشرات الطقس بدلًا من المعاينات التقليدية.
التوقعات.. عقد جديد من النمو
تشير المؤشرات إلى أن السنوات العشر المقبلة قد تشهد تحولًا كبيرًا في صناعة التأمين بوسط أفريقيا، مدفوعًا باستمرار الإصلاحات الاقتصادية، وتوسع الاستثمارات في الطاقة والبنية التحتية، وزيادة الاعتماد على التكنولوجيا المالية.
وفي المقابل، لا تزال هناك تحديات تتمثل في تفاوت مستويات التنمية بين الدول، وتأثيرات التغيرات المناخية، والحاجة إلى تطوير الكفاءات البشرية وتعزيز الثقة في المنتجات التأمينية.
ورغم ذلك، تبدو المنطقة مرشحة للانتقال من سوق ذات نشاط محدود إلى واحدة من أسرع أسواق التأمين نموًا في أفريقيا خلال العقد المقبل.
اتحاد شركات التأمين المصرية يعزز تبادل الخبرات الأفريقية
وفي إطار رئاسة اتحاد شركات التأمين المصرية لمنظمة التأمين الأفريقية، يعمل الاتحاد على إعداد سلسلة من الدراسات والنشرات المتخصصة لاستعراض واقع أسواق التأمين في مختلف أقاليم القارة، بهدف نقل الخبرات الناجحة، وتعزيز التعاون بين الأسواق الأفريقية، وإبراز الفرص الاستثمارية التي تمتلكها صناعة التأمين في القارة، بما يدعم التكامل الإقليمي ويرفع كفاءة الأسواق الناشئة.


