تعليق مهام كريم خان.. ماذا يحدث داخل المحكمة الجنائية الدولية؟
في تطور غير مسبوق داخل أروقة العدالة الدولية، دخلت المحكمة الجنائية الدولية مرحلة من الاضطراب المؤسسي بعد إعلان تعليق مهام المدعي العام كريم خان، على خلفية إجراءات تأديبية وتحقيقات داخلية تتعلق باتهامات بسوء سلوك، في خطوة أعادت فتح النقاش حول استقلالية وشفافية أعلى هيئة قضائية دولية دائمة.

وبحسب مصادر قانونية ودبلوماسية، جاء القرار عقب إحالة ملف خان إلى الهيئة الرقابية داخل المحكمة، بعد تحقيقات استمرت لأشهر بشأن اتهامات تتعلق بسلوك شخصي، بينها مزاعم بعلاقات غير توافقية مع إحدى الموظفات.
ورغم نفيه المتكرر لجميع الاتهامات، فإن التطورات الأخيرة دفعت الجمعية العامة للدول الأطراف، وهي الجهة المشرفة على عمل المحكمة، إلى اتخاذ إجراءات مؤقتة بتجميد مهامه لحين البت النهائي في القضية.
القرار لم يكن إدارياً فحسب، بل حمل أبعاداً سياسية وقضائية واسعة، إذ اعتبره مراقبون سابقة في تاريخ المحكمة الجنائية الدولية منذ تأسيسها. فالمؤسسة التي تنظر في أخطر الجرائم الدولية، بما في ذلك جرائم الحرب والإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية، تجد نفسها اليوم أمام اختبار داخلي يتعلق بمصداقيتها وآليات مساءلة كبار مسؤوليها.
ووفق معلومات مسرّبة من داخل دوائر المحكمة، فإن قرار التعليق استند إلى تقييمات متعددة شملت تقارير صادرة عن مكتب الرقابة الداخلية التابع للأمم المتحدة، إضافة إلى مشاورات مع لجنة خبراء قضائيين مستقلين.
ورغم ذلك، لم يصل التحقيق إلى مستوى إدانة قضائية نهائية، إذ رأت لجنة قانونية مكونة من ثلاثة قضاة أن الأدلة المتوفرة “غير حاسمة بشكل كافٍ” لإصدار حكم نهائي بالعزل.
وفي المقابل، أكدت مصادر داخل المحكمة أن الإجراءات الحالية تهدف إلى “حماية نزاهة التحقيق وضمان سير العمل القضائي دون تأثيرات خارجية”، في حين تستعد الدول الأعضاء البالغ عددها أكثر من 120 دولة لعقد جلسة تصويت حاسمة قد تحدد مستقبل المدعي العام بشكل نهائي، سواء بالعودة إلى منصبه أو الإقالة.
وتأتي هذه التطورات في وقت حساس تواجه فيه المحكمة الجنائية الدولية ضغوطاً سياسية متزايدة، خاصة مع انخراطها في ملفات شديدة الحساسية تتعلق بنزاعات مسلحة واتهامات موجهة إلى شخصيات سياسية وعسكرية بارزة حول العالم. ويرى محللون أن الأزمة الحالية قد تؤثر على صورة المحكمة في مرحلة تتصاعد فيها الانتقادات بشأن تسييس العدالة الدولية.
كما أثارت القضية انقساماً داخل الأوساط القانونية الدولية؛ فبينما يعتبرها البعض خطوة ضرورية لتعزيز المساءلة داخل المؤسسة، يرى آخرون أنها قد تُستخدم كسابقة للضغط على المدعين العامين في القضايا السياسية الكبرى.
ومع ترقب اجتماع الدول الأطراف، يبقى مصير كريم خان معلقاً بين احتمال العودة إلى منصبه أو الخروج من المشهد القضائي الدولي، في واحدة من أكثر الأزمات حساسية في تاريخ المحكمة الجنائية الدولية الحديث.



