رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

مشروع غامض يعود من قلب الزمن.. ماذا يحدث خلف أسوار مسجد المسبح

أرشيفية
أرشيفية

في القاهرة تلك المدينة التي لا تُقاس أعمار مبانيها بالسنوات، بل بما تختزنه حجارتها من ذاكرة الحضارات وتعاقب الأزمنة، حيث يقف التاريخ في كل زاوية شاهدًا على رحلة الإنسان في البحث عن الخلود عبر الفن والعمارة والإيمان.

الهوية الوطنية

في قلب هذه المدينة العريقة، تتجسد قيمة التراث بوصفه أكثر من مجرد آثار صامتة؛ فهو سجل حيّ يحفظ ملامح الهوية الوطنية ويربط الحاضر بجذوره الممتدة في أعماق الزمن. 

ومن هنا تأتي أهمية الجهود المبذولة لإحياء المعالم التاريخية وصونها من عوامل التآكل والنسيان، لتظل شاهدة على عظمة الحضارة المصرية وإبداعها المعماري عبر القرون.

مسجد المسبح

وفي هذا السياق، يبرز مسجد المسبح بمنطقة السيدة عائشة كواحد من الشواهد التاريخية التي تحمل بين جدرانها عبق أكثر من خمسة قرون من التاريخ الإسلامي، حيث تتواصل أعمال ترميمه وإعادة إحياء المنطقة المحيطة به ضمن مشروع القاهرة التاريخية، في محاولة لاستعادة صفحة مضيئة من ذاكرة المدينة وإعادة تقديمها للأجيال القادمة في صورة تليق بمكانتها الحضارية الفريدة.

جوهرة معمارية بقلب القاهرة التاريخية

في إطار الجهود المتواصلة لإحياء التراث الإسلامي والحفاظ على الهوية الحضارية المصرية، حظي مسجد المسبح الأثري بمنطقة السيدة عائشة باهتمام واسع خلال الجولة التفقدية التي قام بها الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، لمتابعة أعمال الترميم وإعادة الإحياء الجارية بالمسجد والمنطقة المحيطة به، ضمن مشروع تطوير القاهرة التاريخية.

وتأتي هذه الزيارة لتؤكد أن الدولة المصرية لا تقتصر في جهودها على إنشاء دور العبادة الجديدة فحسب، بل تمتد كذلك إلى حماية وصون المساجد التاريخية التي تمثل صفحات حية من تاريخ العمارة الإسلامية في مصر، وتختزن بين جدرانها قرونًا من الحضارة والتراث.

حكاية خمسة قرون من التاريخ

يقع مسجد المسبح في منطقة السيدة عائشة بحي الخليفة، إحدى أعرق مناطق القاهرة التاريخية. 

ويُعد المسجد من الآثار الإسلامية المهمة التي يعود تاريخها إلى العصر العثماني، حيث تشير المصادر التاريخية إلى أنه أُنشئ عام 1585م تقريبًا على يد الأمير العثماني "المسيح باشا"، والي مصر في عهد السلطان العثماني مراد الثالث. 

وقد عُرف المسجد تاريخيًا باسم "مسجد المسيح"، نسبة إلى منشئه، قبل أن يتحول اسمه مع مرور الزمن إلى "مسجد المسبح".

ويمثل المسجد نموذجًا فريدًا للعمارة الإسلامية العثمانية في القاهرة، حيث يجمع بين العناصر المعمارية المملوكية والعثمانية التي سادت تلك الفترة، ويضم مئذنة تاريخية وقبابًا وعناصر زخرفية تعكس مهارة البنائين والفنانين المسلمين في القرن السادس عشر الميلادي.

سنوات من الإهمال ثم عودة للحياة
على مدار عقود طويلة، عانى المسجد والمنطقة المحيطة به من التدهور العمراني والعشوائيات التي حجبت جزءًا كبيرًا من قيمته الأثرية والبصرية. 

مشروع تطوير القاهرة

ومع انطلاق مشروع تطوير القاهرة التاريخية، بدأت الدولة تنفيذ خطة شاملة لإزالة المباني العشوائية المحيطة بالمسجد وإعادة تنظيم المنطقة بما يليق بمكانتها التاريخية.

وشهدت المنطقة عمليات إزالة للعقارات المتهالكة والخطرة المحيطة بالمسجد، مع نقل الأسر إلى مجتمعات سكنية حديثة، بهدف الكشف عن الأثر التاريخي وإعادة دمجه داخل المشهد الحضاري للقاهرة القديمة.

مشروع يحافظ على أصالة الأثر

وخلال الجولة التفقدية، استعرض وزير الأوقاف تفاصيل أعمال الترميم التي خضع لها المسجد خلال المرحلة الأولى، والتي تعد الأكبر والأكثر تعقيدًا في تاريخه الحديث.

وشملت الأعمال فك المئذنة الأثرية بالكامل وترقيم أحجارها وعناصرها المعمارية تمهيدًا لمعالجتها وإعادة تركيبها وفق الأساليب العلمية الحديثة، وذلك بعد ظهور تأثيرات ناجمة عن المياه الجوفية وميل بعض الأجزاء الإنشائية. 

كما تضمنت الأعمال تدعيم الأساسات، وترميم الأسقف الخشبية، ومعالجة الواجهات الحجرية والأرضيات والأعمدة الرخامية، إضافة إلى تطوير شبكات الإضاءة والتهوية وأنظمة الصوت.

وتعد عملية فك المئذنة وإعادة تركيبها من أكثر مراحل الترميم دقة، إذ جرى التعامل مع كل جزء أثري باعتباره قطعة فنية مستقلة، حفاظًا على أصالة المسجد وقيمته التاريخية.

تطوير المنطقة المحيطة

ولم تقتصر الرؤية الحكومية على ترميم المسجد وحده، بل امتدت إلى إعادة صياغة المشهد العمراني بالكامل في محيط السيدة عائشة. 

فقد وجه رئيس الوزراء بإعداد تصور متكامل يبرز القيمة الحضارية والتاريخية للمنطقة، مع إنشاء مناطق خدمات للزائرين، وحدائق ومساحات مفتوحة، وربط الموقع بشبكة الطرق والمواصلات الحديثة، ليصبح جزءًا متكاملًا من مشروع القاهرة التاريخية.

كما تشمل أعمال التطوير ترميم المآذن والقباب التاريخية المطلة على ميدان السيدة عائشة، والمقابر السلطانية، ومقبرة الإمام جلال الدين السيوطي، وعدد من الشواهد الأثرية الأخرى التي تمثل ثروة معمارية فريدة.

مشروع لاستعادة الذاكرة

يمثل ترميم مسجد المسبح أكثر من مجرد مشروع إنشائي؛ فهو جزء من رؤية أشمل تهدف إلى استعادة الذاكرة العمرانية للقاهرة، المدينة التي حملت عبر قرون طويلة لقب "مدينة الألف مئذنة". 

فكل حجر يُرمم، وكل مئذنة تستعيد اعتدالها، وكل قبة تسترد زخارفها، هو في الحقيقة استعادة لصفحة من التاريخ المصري والإسلامي.

القاهرة التاريخية

وفي النهاية وبينما يقترب مسجد المسبح من استعادة رونقه القديم بعد أكثر من خمسة قرون على إنشائه، يظل شاهدًا على تعاقب الحضارات والعصور، ورمزًا لجهود الدولة المصرية في الحفاظ على تراثها الثقافي والمعماري للأجيال القادمة.

تم نسخ الرابط