رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

سموم عالقة في الرئتين.. كيف يعيد "الميكروبلاستيك" برمجة مناعتنا ويفجر ثورة الحساسية؟

صورة تعبيرية
صورة تعبيرية

في كشف علمي بيئي بامتياز يحمل جرس إنذار لسكّان الكوكب، فجّرت دراسة حديثة قادها علماء من جامعة "فيينا" الطبية في النمسا مفاجأة مقلقة؛ مؤكدة أن الجزيئات البلاستيكية الدقيقة (الميكروبلاستيك) التي نستنشقها يومياً دون أن نشعر، لا تقف عند حدود تلوّث البيئة، بل تتسلل إلى أعماق أجسادنا لتعمل كـ "محفز سري" يضرب كفاءة جهاز المناعة، ممهداً الطريق لظهور موجات حادة وعنيفة من الالتهابات وردود الفعل التحسسية.

الدراسة الصادمة، التي نُشرت نتائجها في الأوساط الطبية، ركزت على تشريح تأثير جزيئات "البولي إيثيلين تيريفثاليت" (PET)—وهو المكون الأساسي والأكثر شيوعاً في صناعة عبوات المياه البلاستيكية، مواد التغليف، والألياف الصناعية للمنسوجات—لتكشف عن قدرة هذه المواد على إعادة برمجة الخلايا الدفاعية للجسم.

أسبوعان في أعماق الرئة.. احتلال بلاستيكي صامت
لحل هذا اللغز البيولوجي، صمم الفريق النمساوي تجربة مخبرية متطورة على الفئران، تم من خلالها إدخال جزيئات بلاستيكية دقيقة (PET) إلى جهازها التنفسي بمحاكاة دقيقة لعملية الاستنشاق اليومية لدى البشر، وتتبع مساراتها بدقة مجهرية. وتوصل العلماء إلى نتائج وصفت بـ "الخطيرة":

البقاء الطويل: تبيّن أنه بعد التعرض لهذه الجزيئات لمرة واحدة فقط، تظل ذرات البلاستيك عالقة ومحتجزة داخل نسيج الرئتين لمدة لا تقل عن أسبوعين.

الاستنفار المناعي: خلال فترة الاحتجاز هذه، لم يقف الجسم ساكناً، بل تطورت في رئة الحيوانات استجابة التهابية حادة، تمثلت في قفزة قياسية لعدد الخلايا الليمفاوية والخلايا الحامضية (Eosinophils)—وهي الخلايا المناعية المسؤولة مباشرة عن إشعال فتيل الحساسية والأزمات الصدرية.

"تأثير التآزر".. عندما يلتقي البلاستيك مع حبوب اللقاح
لم تتوقف خطورة الميكروبلاستيك عند حدود إحداث التهاب ذاتي، بل ظهرت قوته التدميرية عندما قام العلماء بدمج استنشاق البلاستيك مع التعرّض لـ "حبوب لقاح نبات الرجيد" (وهو أحد أشهر مسببات الحساسية الموسميّة انتشاراً).

هنا، حدث ما لم يكن في الحسبان؛ حيث تضاعفت حدة وخطورة التهاب المجاري التنفسية بشكل مرعب. وأثبتت التجارب أن جزيئات البلاستيك تمتلك قدرة خبيثة على "تعديل الاستجابة المناعية وتشويهها"، عبر تحفيز الجسم على إنتاج كميات هائلة من الأجسام المضادة ضد مسببات الحساسية، مما يحول أي نوبة حساسية عادية إلى أزمة تنفسية خانقة وطويلة الأمد.

حكم العلماء: ملوثات عدوانية وليست جزيئات خاملة
صرح الباحثون في جامعة فيينا الطبية بأن النتائج غيرت النظرة التقليدية للميكروبلاستيك؛ فالعلم كان يتعامل معها سابقاً كملوثات "سلبية أو خاملة" تدخل الجسد وتخرج دون أثر كيميائي كبير. أما الآن، فقد ثبت بالدليل القاطع أنها "عناصر عدوانية نشطة"، بمجرد دخولها مجرى التنفس، تتداخل ميكانيكياً وكيميائياً مع المنظومة المناعية، وتعطل قدرة الجسد على التمييز، مما يتسبب في تفاقم أمراض الربو والحساسية المزمنة.

تضع هذه الدراسة العالم أمام حقيقة بيئية مريرة؛ فمقاومة الحساسية لم تعد تقتصر على تناول مضادات الهيستامين أو الابتعاد عن الزهور والأتربة، بل باتت تتطلب معركة عالمية لتقليص الاعتماد على البلاستيك، الذي تحول من أداة لتسهيل الحياة اليومية إلى سمّ معلق في الهواء يستقر في صدورنا ويهدد أمننا البيولوجي.

تم نسخ الرابط