خطوة مفاجئة في مشاريع المياه بالإسكندرية.. ماذا يدور في برج العرب؟
في برج العرب، حيث تتسع الأرض لاستقبال مستقبلٍ لم يكتمل بعد، لا تبدو المياه مجرد خدمة يومية، بل فكرة عن الحياة نفسها حين تُدار بعقلٍ يستشرف الغد.
هناك، تتحول محطات الرفع من منشآت خرسانية صامتة إلى رموز خفية لاستمرارية المدن، وإلى خيوط غير مرئية تربط الإنسان بمصيره في المكان.
فالماء ليس فقط ما يروي الأرض، بل ما يمنحها حق البقاء، وما يجعل من التخطيط فعلًا إنسانيًا يتجاوز اللحظة إلى أفق الزمن البعيد، حيث تُبنى المدن كما تُبنى الأحلام بهدوء، وبإصرار، وبإيمان بأن ما تحت الأرض قد يكون أهم مما فوقها.

برج العرب
بدأت القصة في قلب مركز ومدينة برج العرب، غرب محافظة الإسكندرية، حيث يبرز مشروع محطة رافع مياه “السكة الحديد الجديد” كأحد أهم المشروعات الحيوية التي تعوّل عليها الدولة في تعزيز منظومة مياه الشرب وتحقيق الاستدامة في الخدمات الأساسية، في ظل التوسع العمراني المتسارع الذي تشهده المنطقة واستهدافها لاستيعاب آلاف السكان الجدد خلال السنوات المقبلة.
ويأتي هذا المشروع ضمن سلسلة من المشروعات القومية التي تستهدف تطوير البنية التحتية في قرى الريف المصري والمناطق العمرانية الجديدة، تنفيذًا لتوجيهات القيادة السياسية الهادفة إلى رفع كفاءة المرافق الحيوية وتحسين جودة الحياة للمواطنين، وضمان وصول خدمات المياه بشكل آمن ومستقر إلى مختلف المناطق.
وخلال جولة ميدانية مفاجئة، تابع المهندس أيمن عطية، محافظ الإسكندرية، سير العمل داخل محطة الرفع، للوقوف على آخر تطورات التنفيذ والتأكد من جاهزية مكونات المشروع الحيوي الذي يُعد أحد الأعمدة الرئيسية لمنظومة مياه الشرب والصرف الصحي بمركز ومدينة برج العرب.

مشروع يخدم عشرات الآلاف
تكتسب محطة رافع مياه “السكة الحديد الجديد” أهمية خاصة كونها تخدم أكثر من 35 ألف نسمة من أهالي برج العرب والنجوع التابعة لها، من بينها نجع حسنين، ونجع الجزار، ونجع يونس، وطريق السادات، ومنطقة السجن المركزي الجديد، وغيرها من المناطق التي تعتمد بشكل مباشر على المحطة في الحصول على المياه.
ولا يقتصر دور المشروع على تلبية الاحتياجات الحالية فقط، بل يمتد ليكون نواة توسع مستقبلي، حيث صُممت المحطة لاستيعاب زيادات سكانية متوقعة تصل إلى نحو 100 ألف نسمة بحلول عام 2050، بما يعكس رؤية تخطيطية طويلة المدى تستهدف مواكبة النمو العمراني المتوقع في برج العرب والمناطق المحيطة بها.
مكونات فنية متكاملة
وخلال الجولة، استمع المحافظ إلى شرح تفصيلي من مسؤولي شركة مياه الشرب بالإسكندرية حول مكونات المشروع، والذي يُعد من المشروعات المتكاملة من حيث البنية الفنية والتشغيلية.
وتضم المحطة خزانًا أرضيًا ضخمًا بسعة 3000 متر مكعب، يمثل عنصرًا أساسيًا في تخزين وضخ المياه بكفاءة عالية، إلى جانب عنبر الطلمبات النقية الذي يضم 5 طلمبات أفقية تعمل على ضخ المياه إلى الشبكات المختلفة وفق احتياجات الاستهلاك اليومي.

كما تشمل المحطة غرفة محولات كهربائية ولوحات تشغيل وتحكم متطورة، إضافة إلى مولد ديزل احتياطي لضمان استمرارية التشغيل في حالات الطوارئ أو انقطاع التيار الكهربائي، بما يعزز من موثوقية الخدمة وعدم تأثر المواطنين بأي أعطال مفاجئة.
ويضم المشروع كذلك مبنى إداريًا متكاملًا مكونًا من ثلاثة طوابق، يشمل مناطق إدارية وسكنية للعاملين، بما يضمن استمرارية العمل داخل المحطة على مدار الساعة بكفاءة تشغيلية عالية.
بعد تنموي
لا يُنظر إلى محطة “السكة الحديد الجديد” باعتبارها مجرد مشروع خدمي، بل كجزء من رؤية أوسع لإعادة تشكيل الخريطة العمرانية لبرج العرب، التي أصبحت واحدة من أهم مناطق التوسع السكاني والصناعي في محافظة الإسكندرية.
فمع زيادة الكثافات السكانية والتوسع في إنشاء المجتمعات العمرانية الجديدة، باتت الحاجة ملحّة إلى تطوير شبكات المياه بشكل يواكب هذه الطفرة، وهو ما يعكسه تصميم المحطة وقدرتها المستقبلية على خدمة أعداد أكبر من السكان خلال العقود المقبلة.
كما يُسهم المشروع في دعم خطط الدولة نحو تحسين جودة الحياة في المناطق الطرفية، عبر توفير خدمات أساسية مستقرة، ما ينعكس بشكل مباشر على جذب الاستثمارات وتعزيز التنمية الاقتصادية في المنطقة.

رسائل واضحة
وخلال الجولة التفقدية، شدد محافظ الإسكندرية على أهمية الالتزام بالجداول الزمنية المحددة للانتهاء من الأعمال المتبقية، وضمان التشغيل بكفاءة عالية وفق أعلى معايير الجودة، بما يحقق الهدف الأساسي من المشروع وهو تأمين احتياجات المواطنين من مياه الشرب بشكل مستدام.
كما وجه المحافظ الشكر للقائمين على تنفيذ المشروع، مشيدًا بجهود فرق العمل المختلفة التي ساهمت في الوصول إلى مراحل متقدمة من التنفيذ، مؤكدًا أن مثل هذه المشروعات تمثل “عصب التنمية” في أي مجتمع حديث.
حضور رسمي
شهدت الجولة حضور عدد من القيادات التنفيذية، من بينهم الدكتور محمود عيسى السكرتير العام المساعد لمحافظة الإسكندرية، والمهندس السيد حسن ريان رئيس شركة مياه الشرب بالإسكندرية، إلى جانب عدد من أعضاء مجلس النواب، من بينهم النائب عبد الله سعداوي راغب، والنائب صالح عبد المنعم راغب، والنائب محمد طارق عبد المعين، إضافة إلى المهندسة نهى خليفة رئيس مركز ومدينة برج العرب.

الاستثمار بالبنية التحتية
وفي النهاية يمثل مشروع محطة رافع مياه “السكة الحديد الجديد” ببرج العرب نموذجًا واضحًا على توجه الدولة نحو الاستثمار في البنية التحتية الحيوية كمدخل أساسي للتنمية الشاملة. فالمشروع لا يقتصر على توفير المياه فقط، بل يمتد ليشكل ركيزة أساسية لتوسعات عمرانية قادمة، ورؤية مستقبلية تهدف إلى بناء مجتمع أكثر استدامة وكفاءة، قادر على استيعاب النمو السكاني والاقتصادي المتسارع في غرب الإسكندرية.



