دراسة بريطانية تكشف السر وراء هجرة "الإنسان العاقل" من إفريقيا قبل 80 ألف عام
في كشف علمي مثير يغير الكثير من الفرضيات السائدة حول نشأة البشرية وتمددها، نجح فريق دولي من الباحثين بقيادة جامعة "ساوثهامبتون" البريطانية في فك شفرة واحدة من أقدم رحلات الهجرة في التاريخ؛ حيث أثبتت الأدلة أن "الإنسان العاقل" غادر القارة السمراء نحو قارة أوراسيا عبر بوابة شبه جزيرة سيناء والأردن قبل أكثر من 80 ألف عام، مستفيداً من "ممر طبيعي أخضر" وفّر ظروفاً مثالية للتنقل.
الدراسة التاريخية، التي نشرت نتائجها مجلة Science Advances المرموقة، أزاحت الستار عما يُعرف بـ "ممر رطب التربة" في منطقة بلاد الشام؛ مؤكدة أن هذه المنطقة التي تحولت اليوم إلى صحارى جافة، كانت آنذاك واحة غنية بالمياه والغطاء النباتي، مما سمح لمجموعات الصيادين وجامعي الثمار الأوائل بعبور المنطقة بأمان نحو غرب آسيا.
وادي الأردن.. الأدوات الحجرية تتحدث تحت مجهر "اللومينيسنس"
أعاد العلماء بناء القصة من خلال تتبع الآثار المادية التي تركها أجدادنا الأوائل؛ حيث تركزت عمليات البحث في منطقة وادي الأردن المتصدع. وفجر الفريق البحثي مفاجأة بالعثور على أدوات حجرية بدائية صُنعت بذكاء، وكانت مستقرة بالقرب من مجرى مائي قديم كان يتمتع بوفرة مائية هائلة قبل عشرات الآلاف من السنين.
ولفك لغز التوقيت بدقة، جرى تحديد عمر هذه الأدوات باستخدام تقنية علمية متطورة تُدعى "التأريخ بالتألق اللومينيسنس" (Luminescence dating)—وهي تقنية فيزيائية تقيس بدقة الزمن الذي انقضى منذ آخر مرة تعرضت فيها الرواسب المحيطة بالأثر لأشعة الضوء—لتأتي النتيجة حاسمة: عمر الأدوات الحجرية المكتشفة يعود إلى نحو 84 ألف عام.
إعادة رسم خريطة الهجرة: المسار الشمالي البديل
تضع هذه الدراسة وثيقة جديدة تؤكد أن الإنسان العاقل، الذي ظهر لأول مرة في إفريقيا قبل ما بين 200 ألف و300 ألف عام، لم يخرج في موجة عشوائية واحدة، بل عبر مراحل متعددة ومدروسة جغرافياً.
وجاءت آراء الخبراء المشاركين لتشرح أبعاد هذا التحول في الفهم التاريخي:
بوابة بلاد الشام: أوضح الدكتور محمود عباس، الباحث الرئيسي في الدراسة من جامعة "شانتو" الصينية، أن منطقة بلاد الشام مثّلت ممرًا طبيعيًا حيوياً خلال الفترات المناخية الرطبة، مشدداً على أن النتائج الجديدة تسلط الضوء على الدور المحوري غير المكتشف لوادي الصدع الأردني في توجيه مسارات الهجرة البشرية القديمة.
تراجع النظرية البحرية: من جانبه، أشار البروفيسور بول كارلينغ، أستاذ الجيومورفولوجيا بجامعة "ساوثهامبتون"، إلى أن النظريات الأنثروبولوجية السابقة كانت ترجح اعتماد البشر الأوائل على مسار جنوبي يعبر البحر الأحمر، إلا أن الأدلة المادية الحديثة أثبتت وجود طريق شمالي بري وبديل عبر سيناء وبلاد الشام.
"محطات توقف" ذكية وسط الجفاف
وصف البروفيسور كارلينغ تلك المناطق الرطبة الصغيرة والوديان الخضراء التي انتشرت آنذاك وسط بيئات الشام بأنها لعبت دور "محطات التوقف الذكية" (Oases of life) خلال رحلات الهجرة الطويلة.
فقد وفرت هذه البقاع الخضراء مصادر متجددة للمياه العذبة، وفرصاً وفيرة لصيد الحيوانات، مما منح الإنسان القديم المؤونة الكافية والقدرة على التقاط الأنفاس ومواصلة رحلته الاستكشافية الشاقة نحو استيطان مناطق جديدة من العالم.
