رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

طه أحمد يكتب.. «جلباب الصعيد» بين أزمة الفن وفخر رجال الوجه القبلي

الكاتب الصحفي طه
الكاتب الصحفي طه أحمد

 

بينما كانت شاشات السينما في وسط القاهرة، تستعد لعرض ملحمة تاريخية تناهض الظلم والطبقية، كان أمن إحدى دور العرض يمارس تجسيداً حياً لما يعالجه الفن على الشاشة، منع صانع المحتوى محمد المطعني ورفاقه، وبينهم رجل مسن، من الدخول لمجرد ارتدائهم "الجلباب الصعيدي" ليس مجرد موقف عابر أو سوء تفاهم تنظيمي، بل هو جرس إنذار يكشف عن أزمة وعي عميقة تضرب مفهوم "الهوية" و"التمدن" لدى بعض مؤسساتنا الترفيهية.

إنها مفارقة تدعو للتأمل؛ كيف يتحول الزي القومي الأصيل، الذي يمثل طائفة واسعة من أبناء هذا الوطن، إلى "مخالفة" تستوجب الحرمان من الاستمتاع بمنتج ثقافي؟.

 

تنذرع بعض الفنادق ودور السينما بما يسمى الـ (Dress Code) أو قواعد المظهر، وهي لافتة براقة يراد بها تنظيماً حضارياً، لكنها في كثير من الأحيان تتحول إلى أداة "تمييز طبقي" فج، عندما يُسمح للغرباء بدخول أرقى الأماكن بأزياء غريبة أو متحررة بدعوى "الحرية الشخصية والعصرنة"، بينما يُمنع المواطن الذي يرتدي جلباباً نظيفاً ومهندساً يعبر عن وقاره وجذوره، فنحن هنا لا نتحدث عن نظام، بل عن "عقدة نقص" تجاه كل ما هو محلي وأصيل.

السينما، منذ نشأتها في مصر، كانت وما زالت الفن الشعبي الأول، دخلها "الباشا" بالطربوش، ودخلها "العامل" و"الفلاح" بالجلباب، وجلس الجميع متجاورين في عتمة الصالة يجمعهم سحر الشاشة، أن تأتي اليوم جهة لتضع جداراً عازلاً بين المواطن وثقافته بناءً على نوع القماش الذي يرتديه، فهذا اغتراب حقيقي وتسطيح لمفهوم الرقي.

الجلباب ليس مجرد قماش.. إنه تاريخ

إن من صاغوا قرار المنع خلف مكاتبهم المكيفة غاب عنهم أن هذا "الجلباب" الذي يزدرونه، ارتداه قادة، وأدباء، وعظماء شكلوا وجدان مصر، هو الزي الذي ارتداه الأديب العالمي لويس عوض في قريته، وظهر به قامات الفكر والسياسة في صعيد مصر، وهو رمز للشهامة والعزة والوقار المعترف به قانوناً وعرفاً في ربوع البلاد.

حين يُمنع رجل مسن (مثل "عم خريبش") تخطى عمره الستين عاماً من دخول قاعة سينما بسبب جلبابه، فإن الأمر يتعدى منع مشاهدة فيلم إلى "إهانة إنسانية" واعتداء على كرامة ثقافة بأكملها، الصعيد ليس مجرد بقعة جغرافية، بل هو مخزون القيم والمادة الخام للجدعنة المصرية.

الفن يرفض الوصاية

الرسالة الأخطر في هذه الواقعة هي محاولة فرض "وصاية مجتمعية" على مرتادي الفنون، السينما يجب أن تظل مساحة مفتوحة للجميع. إن استمرار مثل هذه الممارسات الاحتكارية للمظهر يساهم في عزل الفن عن ناسه، وتحويل الثقافة إلى "امتياز" لطبقة معينة، وهو ما يتناقض تماماً مع دور الفن التنويري والجامع.

آن الأوان أن تدرك إدارات هذه المنشآت أن "الشياكة" الحقيقية تكمن في احترام الإنسان وثقافته، وليس في بدلة مستوردة أو فستان سهرة، واحترام الهوية المصرية بأشكالها كافة—سواء كانت جلباباً صعيدياً، أو زياً نوبياً، أو بدوياً—هو الحد الأدنى للحفاظ على نسيج هذا المجتمع، السينما للجميع، والجلباب سيبقى دائماً تاجاً على رأس الأصالة المصرية، رغماً عن أنف "قواعد المظهر" الواهية.

تم نسخ الرابط