"كولومبوس" تحت مجهر الـ DNA.. هل كان نبيلاً إسبانياً هارباً من هويته الإيطالية؟
لأكثر من خمسة قرون، سكنت صورة "كريستوفر كولومبوس" كتب التاريخ بوصفه الابن البار لمدينة جنوة الإيطالية، والمغامر الذي خرج من عائلة متواضعة ليغير خريطة العالم.
لكن يبدو أن العلم الحديث لديه رواية أخرى قد تعيد كتابة السيرة الذاتية لمكتشف الأمريكتين من الصفر؛ حيث كشف تحليل حديث للحمض النووي عن روابط جينية مفاجئة تنقل مسقط رأسه من الموانئ الإيطالية إلى قصور النبلاء في إسبانيا.
البصمة الوراثية تفجر المفاجأة
في دراسة رائدة قادها باحثون من مختبر "سيتوجين" وجامعة "كمبلوتنسي" بمدريد، تم فحص رفات 12 شخصاً من أحفاد كولومبوس المباشرين المدفونين في سرداب عائلة "كونتس خيلفيس". وبينما كان الهدف تتبع النسب، اصطدم العلماء بحقيقة مذهلة: وجود مادة وراثية مشتركة بين سليل موثق لكولومبوس وبين سيدة نبيلة من منطقة "غاليسيا" الإسبانية تنتمي لعائلة "سوتومايور" العريقة.
هذا الرابط الجيني غير المتوقع قاد الفريق، عبر نماذج حاسوبية تتبعت 16 جيلاً، إلى شخصية تاريخية غامضة تُدعى "بيدرو مادروجا"، وهو نبيل نافذ عاش في القرن الخامس عشر، ويُعتقد الآن أنه "الحلقة المفقودة" والجد المشترك الذي يربط كولومبوس بدم النبلاء الإسبان.
اختفاء مريب وظهور مفاجئ
لم تكن الأدلة الجينية وحدها هي بطلة المشهد، بل دعمتها قرائن تاريخية تثير الريبة:
لغز 1486: في العام الذي اختفى فيه النبيل "بيدرو مادروجا" تماماً من السجلات، ظهر "كولومبوس" فجأة في بلاط الملوك الكاثوليك بإسبانيا، وكأنها عملية "تبديل هوية" مدروسة.
شفرة اللغة: لاحظ المحللون أن كتابات كولومبوس تعج بمفردات مشتقة من اللغة "الغاليسية-البرتغالية"، بينما تخلو من "الإيطالية الخالصة" التي يُفترض أنها لغته الأم.
دلالات الشعارات: ثمة تشابه لافت بين أجزاء من شعار النبالة الخاص بكولومبوس ورموز عائلة "سوتومايور" الإسبانية.
لماذا أخفى كولومبوس أصله؟
بينما يتمسك المؤرخون بالوثيقة التي كتبها كولومبوس عام 1498 ويقر فيها بأصله الإيطالي، يرى أصحاب النظرية الجديدة أن كولومبوس ربما تعمد تزييف هويته لأسباب سياسية تتعلق بالصراع على السلطة والمكانة في البلاط الإسباني آنذاك؛ فالدخول كإيطالي مغامر قد يكون أكثر أماناً من الظهور كنبيلي إسباني له خصومات سياسية.
يقين الرفات وشكوك الجذور
يأتي هذا الجدل بعد نجاح نفس الفريق البحثي، في وقت سابق من عام 2024، في حسم قضية مكان رفات كولومبوس بـ "يقين مطلق"، مؤكدين أن العظام المودعة في كاتدرائية إشبيلية تعود بالفعل للمستكشف الراحل.
ورغم أن الباحثين يقرون بأن النتائج لا تزال بحاجة لتأكيد مستقل (لأن التحليل تم على الأحفاد وليس على جسد كولومبوس نفسه)، إلا أن الستار لم يُسدل بعد على هذه القضية، ليظل كولومبوس، حتى بعد رحيله بـ 520 عاماً، يثير من الأسئلة أكثر مما يقدم من إجابات.



