مصر تمتلك برنامجًا نوويًا سلميًا.. والبرلمان يقر تعديلات جديدة لتعزيز الرقابة والتشريع
في إطار مسار الدولة نحو تعزيز استخدامات الطاقة النووية للأغراض السلمية، تمتلك مصر تاريخًا ممتدًا في هذا المجال بدأ منذ منتصف خمسينيات القرن الماضي، وشهد مراحل متعددة من التعاون الدولي والتأسيس المؤسسي، وصولًا إلى إعادة إحياء البرنامج النووي المصري خلال السنوات الأخيرة، ليصبح أحد أهم مشروعات البنية الاستراتيجية لقطاع الطاقة.
وفي هذا السياق، وافق مجلس النواب خلال جلسته العامة، اليوم، برئاسة المستشار حنفي جبالي، نهائيًا على مشروع قانون مقدم من الحكومة لتعديل بعض أحكام قانون تنظيم الأنشطة النووية والإشعاعية الصادر بالقانون رقم 7 لسنة 2010، في خطوة تستهدف تحديث الإطار التشريعي المنظم لهذا القطاع شديد الحساسية.
ويأتي مشروع القانون في إطار فلسفة تشريعية تقوم على تطوير المنظومة القانونية الحاكمة للأنشطة النووية والإشعاعية، من خلال تعزيز دور هيئة الرقابة النووية والإشعاعية، ورفع كفاءتها الرقابية والفنية، بما يضمن إحكام السيطرة على الاستخدامات المختلفة للمواد والمصادر الإشعاعية داخل الدولة، ومعالجة ما كشفه التطبيق العملي من ثغرات تشريعية تحتاج إلى ضبط أو إعادة تعريف.
إعادة ضبط المفاهيم وتعزيز الانضباط القانوني
تضمنت التعديلات إعادة صياغة تعريف المنشآت الإشعاعية بصورة أكثر دقة، بما يحد من التوسع في التفسير القانوني، ويحقق الفصل بين الجهات التي تستخدم مصادر إشعاعية لأغراض مختلفة، وبين المنشآت الخاضعة فعليًا للرقابة النووية. ويهدف هذا التحديث إلى تعزيز الانضباط التشريعي وتوحيد المفاهيم داخل الإطار القانوني المنظم للقطاع.
كما شمل المشروع تحديث منظومة الرسوم الخاصة بالتراخيص والأذون والموافقات، بما يتماشى مع المتغيرات الاقتصادية الحالية، مع التأكيد على الالتزام بالضوابط الدستورية، بحيث يتم دعم الموارد الذاتية للهيئة دون فرض أعباء غير مبررة على المستخدمين أو الجهات العاملة في هذا المجال.
حماية القطاع الطبي واستثناءات تنظيمية
أكدت اللجنة البرلمانية المعنية أن التعديلات لم تمس القطاع الصحي بشكل مباشر، حيث تم استثناء أجهزة الأشعة السينية والنظائر المشعة المستخدمة في المجال الطبي من الرسوم الجديدة، بما يضمن عدم تحميل المنظومة الصحية أو المرضى أي أعباء إضافية، ويعكس توجهًا واضحًا نحو دعم الخدمات الطبية الأساسية.
وفي المقابل، منح القانون هيئة الرقابة النووية والإشعاعية صلاحيات أوسع في مجال التحصيل الإداري، باعتبار أموالها أموالًا عامة، بما يعزز قدرتها على حماية حقوقها وتنفيذ التزاماتها الرقابية تجاه مختلف الجهات.
تشديد الرقابة على المواد المشعة وتعزيز منظومة الأمان
تضمن مشروع القانون تشديدًا واضحًا على تنظيم تداول واستيراد وتصدير المواد المشعة والمصادر الإشعاعية، من خلال إلزام الحصول على موافقة مسبقة من الهيئة المختصة قبل أي عملية تداول، مع تعزيز العقوبات على المخالفين، بما يشمل الحبس والغرامة في حالات محددة، في إطار دعم منظومة الردع القانوني وحماية الأفراد والبيئة.
كما استحدث المشروع التزامًا جديدًا يتعلق بتصنيع مكونات الأمان النووي داخل مصر، حيث أصبح الحصول على ترخيص مسبق من هيئة الرقابة شرطًا أساسيًا قبل البدء في تصنيع أي معدات أو مكونات مرتبطة بأمان المنشآت النووية، وهو ما يعزز من إحكام الرقابة على سلسلة الأمان بالكامل.
آليات التصالح وتطوير الإطار الرقابي
وفي إطار تحقيق التوازن بين الردع القانوني وإتاحة فرص تصحيح الأوضاع، نص المشروع على إمكانية التصالح في بعض الجرائم المنصوص عليها بالقانون، بشرط إزالة أسباب المخالفة، ووفق ضوابط تنظيمية محددة. كما تم التأكيد على أهمية هذا التوجه في معالجة المخالفات دون الإضرار بمنظومة الأمان النووي.
ويأتي هذا التعديل ضمن مسار أوسع لتطوير الإطار المؤسسي للرقابة النووية في مصر، بما يعزز قدرتها على مواكبة التطورات الدولية في هذا المجال، ويرفع من كفاءة إدارة الأنشطة النووية والإشعاعية داخل الدولة.
البرنامج النووي المصري
يعود تاريخ الاستخدامات السلمية للطاقة النووية في مصر إلى عام 1956 مع توقيع أول اتفاق تعاون نووي، تلاه انضمام مصر إلى الوكالة الدولية للطاقة الذرية عام 1957، ثم إنشاء عدد من المراكز البحثية المتخصصة خلال العقود التالية.
ومع صدور قانون تنظيم الأنشطة النووية والإشعاعية عام 2010، ثم تعديله عام 2017، دخلت المنظومة مرحلة جديدة من التطوير التشريعي، تزامنًا مع إعادة إحياء البرنامج النووي المصري، وتوقيع اتفاق مشروع محطة الضبعة النووية عام 2015 بقدرة تصل إلى 4800 ميجاوات، والذي يمثل أحد أبرز مشروعات الطاقة الاستراتيجية في مصر.
في المجمل، يعكس مشروع القانون الجديد توجه الدولة نحو تحديث البنية التشريعية للقطاع النووي، بما يضمن تحقيق أعلى معايير الأمان والرقابة، ويواكب التطورات الدولية في مجال الاستخدامات السلمية للطاقة النووية، ضمن رؤية تستهدف تعزيز أمن الطاقة ودعم التنمية المستدامة.



