أكرم القصاص يحلل المشهد الإقليمي:لماذا تملك مصر مفاتيح الاستقرار في الشرق الأوسط؟
تشهد منطقة الشرق الأوسط تحولات متسارعة وتوترات متصاعدة تفرض على الدول إعادة قراءة المشهد الإقليمي بدقة، خاصة في ظل تعدد الصراعات وتداخل المصالح الدولية والإقليمية.
وفي هذا السياق، أكد الكاتب الصحفي والمحلل السياسي أكرم القصاص أن مصر تمتلك مفاتيح الاستقرار في المنطقة بفضل موقعها الجغرافي الاستراتيجي وقوة جيشها، مشيرًا إلى أن رسائل الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال حفل إفطار الأسرة المصرية عكست رؤية واضحة لطبيعة المرحلة التي تمر بها المنطقة.
رسائل السيسي تكشف طبيعة التحولات في المنطقة
قال أكرم القصاص إن أبرز ما جاء في رسائل الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال حفل إفطار الأسرة المصرية هو توصيفه الدقيق للمشهد الإقليمي، حيث أكد أن المنطقة تمر بمرحلة تحول تاريخي.
وأوضح أن هذه المرحلة تمثل نقطة ارتكاز مهمة لفهم ما يجري، خاصة أن الصراعات لم تتوقف في الشرق الأوسط منذ أواخر سبعينيات القرن الماضي، إلا أن الفارق في المرحلة الحالية يتمثل في وجود محاولات ممنهجة لتفكيك المنطقة وإعادة تشكيلها عبر مخططات معقدة.
وأضاف القصاص أن هذه التطورات تفرض على الدول الكبرى في المنطقة التعامل بحذر شديد مع المشهد المتغير، لأن ما يحدث لا يقتصر على صراعات تقليدية، بل يمتد إلى محاولات لإعادة ترتيب موازين القوى الإقليمية.
الموقف المصري الأكثر توازنًا في الصراع الإقليمي
وأوضح الكاتب الصحفي أكرم القصاص، خلال لقائه مع الإعلامي عمرو حافظ في برنامج "كل الكلام" المذاع على قناة الشمس، أن الرؤية المصرية في التعامل مع الصراع الدائر في المنطقة تعد من أكثر المواقف حزمًا وتوازنًا، لأنها تنطلق من قراءة دقيقة لمفهوم الأمن القومي في دوائره الثلاث: المصرية والعربية والإقليمية.
وأشار إلى أن مصر، بحكم موقعها الجغرافي المتحكم في ممرات استراتيجية مثل قناة السويس والبحر الأحمر، ظلت على مدار عقود في قلب الأحداث الكبرى في المنطقة، وكانت الطرف الأكثر صمودًا وتحملًا لتبعات الحروب المختلفة، خاصة الحرب على غزة، دون أن تتراجع الدولة المصرية عن ثوابتها أو تدخل في حالة شكوى رغم الضغوط الهائلة التي فرضتها التطورات الإقليمية.
رفض مصري لتوسيع دائرة الصراع
وتطرق القصاص إلى التوترات المتصاعدة في المنطقة، مؤكدًا أن الموقف المصري جاء واضحًا وحاسمًا في رفض أي محاولات لتوسيع دائرة الصراع. وأوضح أن الصراع الحالي هو نتاج صعود تيارات اليمين المتطرف في أكثر من طرف دولي وإقليمي، سواء في واشنطن أو تل أبيب أو طهران.
وانتقد بشدة بعض الأطراف التي تحاول تصوير الاعتداءات على الدول العربية باعتبارها نوعًا من النضال، مؤكدًا أن هذه الروايات لا تعكس الحقيقة، لأن ما يحدث في الواقع هو صراعات بالوكالة تؤدي في النهاية إلى الإضرار بالأمن القومي العربي واستنزاف قدرات المنطقة.
مصر تدعم أمن الخليج وترفض أي تهديد له
وأشار القصاص إلى أن الموقف المصري تجلى بوضوح في الاتصال الذي جرى بين الرئيس عبد الفتاح السيسي والرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، حيث حملت الرسالة المصرية موقفًا واضحًا يقوم على رفض سياسة المحاور أو الخطاب المزدوج.
وأكد أن مصر تقف بقوة إلى جانب أشقائها في السعودية والإمارات وقطر، وترفض بشكل قاطع أي مساس بأمن هذه الدول تحت أي ذريعة، بما في ذلك ذريعة استهداف قواعد أجنبية موجودة في المنطقة، مشددًا على أن هذه الدول لم تكن طرفًا معتديًا في الصراعات الإقليمية، بل سعت في العديد من المواقف إلى وقف الحروب وتقليل التوترات.
انتقاد منطق “الألتراس” في التعامل مع السياسة
ووجه أكرم القصاص انتقادًا حادًا لبعض الخطابات التي تتعامل مع القضايا السياسية المصيرية بعقلية تشبه منطق “الألتراس” في التشجيع الرياضي، حيث يطغى الحب الأعمى أو الكراهية المطلقة على قراءة الحقائق.
وأوضح أن السياسة المصرية لا تُدار بهذه الطريقة، بل تعتمد على حسابات دقيقة للمصالح الوطنية والإقليمية، لأن القوة الحقيقية للدول لا تكمن في خوض الحروب بقدر ما تكمن في القدرة على منع اندلاعها والحفاظ على السلام والاستقرار.
الجيش المصري صمام أمان للاستقرار
وأكد القصاص أن الجيش المصري، باعتباره أحد أقوى الجيوش في المنطقة، يمثل الضامن الحقيقي للاستقرار الإقليمي. وأوضح أن امتلاك القوة العسكرية لا يعني بالضرورة استخدامها في الحروب، بل يعني امتلاك قدرة الردع التي تمنع الأعداء من التفكير في تهديد الأمن القومي.
وأشار إلى أن القوى المعادية تدرك جيدًا حجم القدرات العسكرية المصرية، وهو ما يخلق حالة من التوازن الإقليمي الذي يمنع انهيار المنطقة بالكامل في ظل حالة الاضطراب التي تشهدها العديد من الدول.
سباق التسلح في المنطقة ودور إيران
وتحدث القصاص عن دور إيران في إشعال سباق التسلح في المنطقة على مدار عقود، موضحًا أن طهران كانت تُستخدم في كثير من الأحيان كفزاعة تدفع دول الخليج إلى عقد صفقات سلاح بمليارات الدولارات، بينما كانت إيران نفسها تبرر شراء الأسلحة بمواجهة هذا التهديد.
وأشار إلى أن المفارقة تكمن في أن القوى الكبرى، مثل روسيا والصين، استفادت اقتصاديًا من هذا المشهد عبر بيع أنظمة صاروخية متطورة، ما يعني أن المصالح الاقتصادية كثيرًا ما تتجاوز الشعارات السياسية أو الأيديولوجية التي يتم الترويج لها في الخطابات الرسمية.
الحرب الحالية كسرت قواعد عسكرية قديمة
وأوضح القصاص أن الحرب الدائرة في المنطقة نسفت العديد من الفرضيات العسكرية التي استقرت لعقود طويلة، حيث كان الاعتقاد السائد أن إسرائيل لا تستطيع خوض حرب على أكثر من جبهة في الوقت نفسه، كما أنها لا تتحمل حروبًا طويلة تتجاوز بضعة أشهر.
لكن الواقع في مارس 2026، بحسب القصاص، يثبت أن إسرائيل خاضت حربًا ممتدة لقرابة عامين على عدة جبهات تحت قيادة بنيامين نتنياهو، الذي وصفه بأنه سياسي يعيش على أجواء الحرب ولا يرى مستقبله السياسي خارج إطار الصراعات العسكرية.
خطأ استراتيجي إيراني وتحولات في موازين القوى
وأشار القصاص إلى أن إيران ارتكبت خطأ استراتيجيًا عندما انتقلت من إدارة الصراع عبر وكلائها في لبنان واليمن إلى الدخول في مواجهة مباشرة، وأوضح أن لغة الحروب لا تعترف بالشعارات، بل بالنتائج العسكرية على الأرض.
وأضاف أن الاختراقات الأمنية التي طالت علماء وقادة إيرانيين كشفت هشاشة في الجبهة الداخلية، بينما تحولت جبهات كانت طهران تعتبرها مناطق نفوذ مؤثرة، مثل سوريا، إلى مناطق خرجت عمليًا من حسابات التأثير الفعلي.
لبنان بين خطر الحرب ومصير مجهول
وفيما يتعلق بالجبهة اللبنانية، تساءل القصاص عن جدوى جر لبنان إلى حرب مدمرة قد يدفع ثمنها الشعب اللبناني، مؤكدًا أن ربط مصير بيروت بالتوازنات الإقليمية يضع الدولة اللبنانية أمام خطر حقيقي.
وأشار إلى أن لبنان قد يجد نفسه في وضع مشابه لما حدث في غزة، في ظل عدم امتلاك الدولة اللبنانية أو جيشها القدرة الكافية لمواجهة آلة عسكرية إسرائيلية شديدة التدمير.
مصر نموذج للنضج الاستراتيجي
واختتم القصاص بالتأكيد على أن الموقف المصري يمثل نموذجًا للنضج الاستراتيجي في التعامل مع الأزمات، موضحًا أن القاهرة تدرك أن الصراع الحالي تقوده تيارات يمين متطرف في عدة دول، مثل دونالد ترامب في الولايات المتحدة وبنيامين نتنياهو في إسرائيل، إلى جانب التيارات المتشددة في إيران.
وأكد أن مصر ترفض الانجرار إلى مغامرات عسكرية غير محسوبة أو حروب قد تؤدي إلى مزيد من الفوضى، مشيرًا إلى أن الدور المصري يظل قائمًا على حفظ التوازن ومنع انهيار المنطقة بالكامل، لتبقى مصر صمام الأمان في منطقة تعصف بها التحولات المتسارعة.



