بين الابتكار والرقابة.. مشروع يَعِد بتغيير منظومة الصحة بالكامل
في عالم لا يتوقف عن الحركة، حيث تتقاطع المعرفة والعلم مع الحاجة الإنسانية، يقف الدواء على مفترق طرق بين الإمكان والضرورة، بين الابتكار والحياة.
فكل حبة دواء تحمل في طياتها رحلة طويلة من البحث والتجربة، لكنها ليست مجرد مادة كيميائية؛ بل هي تعبير عن قدرة الإنسان على تحويل المعرفة إلى أمل، والمعاناة إلى شفاء.

تطوير الدواء
وفي هذا الإطار، يصبح مشروع تطوير الدواء في مصر أكثر من مجرد خطة تنظيمية أو مبادرة إدارية، فهو رؤية فلسفية تمتد إلى جوهر العلاقة بين الإنسان والعلم والمجتمع.
إنه تأكيد على أن الصحة ليست مجرد خدمة تقدم، بل التزام أخلاقي يستلزم ربط الإبداع بالمسؤولية، والابتكار بالقيم الإنسانية.
وعبر هيئة الدواء المصرية، يُعيد المشروع تعريف معنى الاستدامة في القطاع الصحي، ويحوّل الطموح العلمي إلى واقع ملموس، حيث يصبح كل جهد بحثي وكل تجربة إكلينيكية جزءًا من مسعى أوسع نحو تأمين حياة أكثر أمانًا وفعالية لكل مواطن.
هنا، يتحول الدواء من مجرد سلعة إلى رمز للمعرفة المنظمة، وللسعي المستمر نحو تطوير الإنسان والمجتمع، حيث يصبح الابتكار وسيلة لتجسيد العدالة الصحية وتوسيع أفق الأمل.
تطوير القطاع الصحي والدوائي
ففي خطوة تاريخية تمثل محطة نوعية في مسار تطوير القطاع الصحي والدوائي في مصر، استقبل الدكتور علي الغمراوي، رئيس هيئة الدواء المصرية، وفداً رفيع المستوى من شركة تاكيدا العالمية، برئاسة الدكتور خالد ساري، المدير العام للشركة، في إطار بحث سبل تعزيز التعاون المشترك وتطوير مجالات الشراكة بين الجانبين.

يأتي هذا اللقاء ضمن استراتيجية الهيئة لتعزيز قدراتها في البحث العلمي، وإتاحة العلاجات المبتكرة للمواطن المصري، بما يتماشى مع رؤية الدولة لدعم القطاع الصحي وتطوير المنظومة الدوائية الوطنية.
وقد ناقش الاجتماع آليات دعم مشروعات الشراكة القائمة، واستعرض فرص التعاون المستقبلي بين الجانبين، مع التركيز على المجالات العلاجية ذات الأولوية، بما يضمن وصول أحدث العلاجات للمريض المصري بطريقة آمنة وفعّالة.
البحث والتجارب الإكلينيكية
خلال الاجتماع، تناول وفد شركة تاكيدا أحدث مستجدات أنشطتها في مجال التجارب الإكلينيكية والبحث العلمي داخل السوق المصري، مؤكدين على أهمية استمرار التنسيق مع هيئة الدواء المصرية لدعم منظومة البحث العلمي. وأوضح الدكتور الغمراوي أن الهيئة تولي اهتماماً بالغاً بالأنشطة البحثية والتجارب الإكلينيكية، بما يسهم في ترسيخ مكانة مصر كمركز إقليمي للبحث والتطوير في المجال الدوائي. كما أكّد على حرص الهيئة على التعاون مع الشركات العالمية الرائدة لتبادل الخبرات ودعم الابتكار الدوائي، بما ينعكس إيجابياً على صحة المرضى.

الشراكات وحقوق الملكية
واطلع الوفد على رؤية الهيئة فيما يخص ملف حقوق الملكية الفكرية للمنتجات الدوائية، بما يخلق بيئة استثمارية جاذبة ومتوافقة مع المعايير الدولية، ويعزز جهود تطوير القطاع الدوائي. وأبدى ممثلو شركة تاكيدا تقديرهم للتعاون المثمر مع هيئة الدواء، مشيدين بالدور الذي تلعبه الهيئة في دعم وتطوير المنظومة الدوائية المصرية، مؤكدين حرص الشركة على مواصلة أنشطتها في السوق المحلي وتوسيع برامج البحث والتطوير.
التحول الرقمي
تسعى هيئة الدواء المصرية إلى تحقيق نقلة نوعية في منظومة الرقابة على الدواء عبر التحول الرقمي، حيث أطلقت منظومة "التتبع الدوائي" (باركود) لمراقبة الأدوية من المصنع إلى المريض. تهدف هذه الخطوة إلى تعزيز الجودة، ومكافحة الغش، وإدارة النواقص عبر الخط الساخن 15301، بما يضمن تطبيق أعلى المعايير الدولية في إنتاج وتداول المستحضرات الصيدلية.

جذور تاريخية
تعود بدايات الرقابة الدوائية في مصر إلى عام 1936، حين تأسست وزارة الصحة العمومية لتنظيم شؤون الصحة العامة، وضبط سوق الدواء ضمن مهامها. وفي عام 1955 صدر قانون مزاولة مهنة الصيدلة رقم 127 لسنة 1955، الذي وضع قواعد صارمة لتنظيم عمل الصيدليات ومراقبة جودة المستحضرات الصيدلية، بما يحمي صحة المواطنين.
على مر العقود، تطورت الهيئات الرقابية لتصبح أكثر تخصصًا، فتم إنشاء الهيئة القومية للرقابة والبحوث الدوائية عام 1976، لتكون مركزًا بحثيًا ورقابيًا لفحص جودة الأدوية محليًا ومستوردًا، ثم الهيئة القومية للبحوث والرقابة على المستحضرات الحيوية واللقاحات عام 1995 لمراقبة الأمصال واللقاحات والمنتجات الحيوية. ومع ذلك، بقي قطاع الرقابة الدوائية مشتتًا بين عدة جهات، مما استلزم إعادة هيكلة شاملة.

ميلاد هيئة الدواء المصرية
بحلول عام 2019، صدّق مجلس النواب على قانون رقم 151 لسنة 2019 بإنشاء هيئة الدواء المصرية كهيئة مستقلة عليا تتولى كل شئون الدواء، وتخضع مباشرة لرئيس مجلس الوزراء، بما يمنحها استقلالاً أكبر ومرونة في اتخاذ القرارات. مع مطلع 2020، بدأت الهيئة عملها رسميًا، محققةً دمجًا لجميع الهيئات السابقة، بما يشمل الإدارة المركزية لشؤون الصيدلة والهيئات القومية للرقابة والبحوث الدوائية والمستحضرات الحيوية. وبهذا أصبح ملف الدواء مركّزًا تحت كيان واحد موحد، مع تولي رئيس الهيئة صلاحيات وزير الصحة السابقة فيما يخص تنظيم مهنة الصيدلة.
دور الهيئة وصلاحياتها
تشمل مهام الهيئة وضع السياسات والقواعد المنظمة لإنتاج وتداول الأدوية، تقييم ملفات تسجيل الأدوية الجديدة، التفتيش على مصانع وشركات الأدوية، مراقبة سلسلة الإمداد الدوائي لضمان توفر الأدوية الأساسية، وإصدار نشرات توعوية للمجتمع والاستخدام الآمن للدواء. كما تقترح الهيئة مشروعات القوانين واللوائح الجديدة لضمان مواكبة التطورات العلمية، وتمثل مصر في المنظمات الدولية وتبادل الخبرات مع الهيئات الرقابية الأجنبية.
مشروعات وإنجازات
خلال جائحة كورونا، لعبت الهيئة دورًا حاسمًا في متابعة توفر الأدوية والمستلزمات الطبية، وإصدار موافقات عاجلة لاستخدام بعض المستحضرات، بما فيها اللقاحات التجريبية. كما أطلقت الهيئة مشروع "الدستور الدوائي المصري" لوضع مرجعية علمية وطنية لمعايير جودة الأدوية، وأصدرت نشرات وتحذيرات دورية بشأن الأدوية، وسحبت المنتجات المغشوشة أو غير الآمنة من الأسواق. ووضعت منصات إلكترونية لتقديم ملفات التسجيل والتراخيص، ما قلّص مدة الإجراءات وعزز الشفافية.

على المستوى الدولي، شاركت الهيئة في مؤتمرات ومنظمات عالمية لمكافحة الأدوية المغشوشة، وتبادل الخبرات، ورفع كفاءة المنظومة المحلية، لتصبح مصر نموذجًا يحتذى به في تنظيم القطاع الدوائي.
احتياجات المجتمع المصري
وفي النهاية فإن إنشاء هيئة الدواء المصرية شكّل نقطة تحول تاريخية، جمعت بين الخبرة المحلية والعالمية، واستجابت لاحتياجات المجتمع المصري في مجال الأدوية، ووفرت إطارًا تنظيميًا فعالًا يتيح الرقابة والتطوير المستمر. ومع استمرار جهود الهيئة، تتجه مصر نحو ترسيخ مكانتها كمركز إقليمي للبحث والتطوير الدوائي، وضمان أمن وفعالية الأدوية، بما يخدم المواطنين والمنطقة العربية بأكملها، ويجعل منظومة الدواء المصرية نموذجًا حديثًا لحوكمة القطاع الدوائي وضمان استدامته وجودته.



