داخل أقدم حكايات البحر المتوسط.. ماذا تخفي قاعات المتحف اليوناني الروماني؟
شهدت مدينة الإسكندرية عبر تاريخها الطويل العديد من المشروعات الثقافية التي تهدف إلى الحفاظ على تراثها الحضاري الفريد، ويأتي في مقدمتها إنشاء المتحف اليوناني الروماني الذي يُعد أحد أبرز الصروح الأثرية التي توثق مراحل مهمة من تاريخ المدينة ومصر القديمة.
وتعود فكرة إنشاء هذا المتحف إلى نهاية القرن التاسع عشر، عندما أدرك علماء الآثار أهمية توثيق الاكتشافات الأثرية التي كانت تظهر تباعًا في المدينة الساحلية التي عُرفت بأنها ملتقى الحضارات القديمة ومركزًا فكريًا وثقافيًا عالميًا.
فكرة إنشاء المتحف وبداياته التاريخية
تعود بداية فكرة إنشاء المتحف إلى عام 1891م، عندما طرح عالم الآثار الإيطالي جوزيبي بويت رؤية تقوم على تخصيص مكان يجمع الاكتشافات الأثرية التي جرى العثور عليها في الإسكندرية، بهدف الحفاظ على تاريخ المدينة الثقافي وحماية مقتنياتها الأثرية من الضياع أو التشتت.
وانطلاقًا من هذه الفكرة، تم إنشاء المبنى الحالي للمتحف وفق تصميم معماري مستوحى من الطراز اليوناني الكلاسيكي، بما يعكس الطبيعة التاريخية للحضارات التي ازدهرت في المدينة خلال العصور القديمة، خاصة في الفترات اليونانية والرومانية.
المكونات المعمارية للمتحف
يتكون المتحف من مجموعة من المباني والمرافق التي تخدم العرض المتحفي والإداري في الوقت ذاته، حيث يضم مبنى إداريًا يتكون من بدروم ودور أرضي وثلاثة أدوار متكررة تُستخدم لإدارة العمل بالمتحف وتنظيم أنشطته المختلفة.
أما مبنى المتحف الرئيسي فيضم عدة طوابق مخصصة لعرض القطع الأثرية والأنشطة الثقافية والتعليمية.
في الدور الأرضي توجد 27 قاعة عرض تحتوي على مجموعة كبيرة من القطع الأثرية التي تم ترتيبها وفق التسلسل التاريخي، بدءًا من فترة ما قبل عصر الإسكندر الأكبر في القرن الخامس قبل الميلاد، وصولًا إلى العصر البيزنطي في القرن السادس الميلادي.
كما يضم هذا الطابق مخازن لحفظ الآثار، إضافة إلى معامل متخصصة في ترميم الآثار العضوية وغير العضوية، إلى جانب مرافق خدمية مثل دورات المياه.
أما الطابق العلوي الصغير فيتضمن أربع قاعات رئيسية تتمثل في قاعة التربية المتحفية التي تهدف إلى نشر الوعي الأثري، وقاعة الأرشيف والتسجيل الخاصة بتوثيق القطع الأثرية، بالإضافة إلى قاعة الجيبسوتيكا المعروفة باسم egypsotica التي تضم مستنسخات فنية، وقاعة مخصصة للدراسة والباحثين.
قاعات العرض والموضوعات التاريخية
في الدور الأول من المتحف يتم عرض القطع الأثرية وفق تصنيف موضوعي يعكس جوانب مختلفة من حياة المجتمع السكندري خلال العصور القديمة.
وتضم القاعات موضوعات متعددة مثل قاعة النيل، وقاعة الأجورا، وقاعة الأرض المحمرة، وقاعة الصناعة والتجارة، وقاعة العملة، وقاعة الفن السكندري، وقاعة البوباسطيون، بالإضافة إلى قاعة منطقة كوم الشقافة وقاعة المنحوتات السكندرية.
كما يحتوي هذا الطابق على عدد من الخدمات الثقافية والترفيهية، مثل الكافيتريات والمطاعم، إلى جانب مكتبة تضم مجموعة نادرة من الكتب المتخصصة، وقاعة مخصصة للمحاضرات والندوات العلمية، فضلًا عن مخازن لحفظ الآثار ومرافق خدمية للزوار.
ثروة أثرية تعكس تلاقي الحضارات
يضم المتحف نحو ستة آلاف قطعة أثرية متنوعة، تعكس موضوعات متعددة وتغطي فترات تاريخية واسعة من تاريخ مصر القديمة بشكل عام وتاريخ الإسكندرية بشكل خاص.
ويعتمد المتحف في عرض مقتنياته على سيناريو متحفي دائم يركز على إبراز ملامح العصرين اليوناني والروماني، مع تطوير أساليب العرض المتحفي وإضافة أقسام جديدة تتماشى مع مفاهيم المتاحف الحديثة.
ويبرز المتحف من خلال مقتنياته حالة التفاعل الحضاري بين الثقافات المختلفة التي تعاقبت على مصر، حيث يجمع بين عناصر من الحضارة المصرية القديمة واليونانية والرومانية والقبطية والبيزنطية، ما يعكس التنوع الثقافي والفني الذي تميزت به الإسكندرية عبر العصور.
موضوعات العرض داخل المتحف
تتناول قاعات العرض مجموعة من الموضوعات التاريخية المهمة، من بينها عرض شكل الدولة الحاكمة والحياة السياسية في مصر خلال العصرين البطلمي والروماني، إضافة إلى تصوير تفاصيل الحياة اليومية لليونانيين والرومان في الإسكندرية.
كما يقدم المتحف عرضًا لفكرة الديانة والعبادات خلال تلك الفترات التاريخية من خلال مجموعات أثرية مميزة مثل مجموعة الرأس السوداء ومجموعة أرض المحمرة، إلى جانب عرض خاص لمعبد التمساح المرتبط بعبادة الإله سوبك.
ويخصص المتحف أيضًا جزءًا من عرضه لفكرة الإسكندرية كمركز للعلم والمعرفة، حيث كانت المدينة منارة ثقافية يقصدها العلماء والفلاسفة من مختلف أنحاء العالم القديم لما تمتعت به من تأثير حضاري واسع.
التطور الجنائزي والفنون المختلفة
يعرض المتحف أيضًا تطور المعتقدات الجنائزية في العصرين اليوناني والروماني، من خلال مجموعة من المومياوات والتمائم والأواني الكانوبية وشواهد القبور وبورتريهات الفيوم والتوابيت التي تعكس تطور الفكر الديني عبر العصور.
كما يتضمن عرضًا للفن البيزنطي والفن القبطي من خلال مجموعة من العناصر المعمارية المميزة مثل الأفاريز وزخارف السقوف وقواعد الأعمدة والتيجان، إضافة إلى النسيج والعملات المعدنية.
التجارة والحرف في العصور القديمة
يسلط المتحف الضوء كذلك على النشاط التجاري والحرفي في مصر القديمة، حيث يعرض نماذج من الحرف المصرية مثل صناعة العاج والعظم والحلي والفيانس، والتي كانت تنتشر في مختلف أنحاء البلاد ويتم تبادلها تجاريًا مع الدول الأخرى في إطار العلاقات الاقتصادية القديمة.
تطوير شامل لتعزيز التجربة السياحية
شهد المتحف مشروع تطوير شامل تضمن أعمال ترميم وصيانة واسعة، شملت إعادة دهان الحوائط الداخلية والخارجية، وتدعيم الجدران القديمة بهياكل حديدية للحفاظ على سلامة المبنى، إضافة إلى ترميم الواجهة الكلاسيكية للمتحف.
كما شملت أعمال التطوير تحديث منظومتي الإضاءة والمراقبة لتعزيز الحفاظ على القطع الأثرية.
وتضمن المشروع أيضًا إضافة قاعة جديدة تحمل اسم egypsotica لعرض المستنسخات الجبسية التي كان بعضها معروضًا في المتحف القديم، إلى جانب إنشاء قسم تعليمي وأرشيف متحفي ومكتبة تاريخية ومخازن حديثة ومركز متخصص في ترميم الآثار.
خدمات جديدة للزائرين والسياحة الميسرة
لم يقتصر التطوير على الجانب الأثري فقط، بل شمل أيضًا رفع كفاءة الخدمات المقدمة للزائرين بهدف تحسين التجربة السياحية داخل المتحف وجعلها أكثر جاذبية وسهولة. فقد تم إنشاء كافيتريات وبيت للهدايا التذكارية، إضافة إلى تجهيز المتحف لاستقبال الزائرين من ذوي الهمم من خلال توفير مصاعد مخصصة ودورات مياه مناسبة وأماكن للتربية المتحفية الخاصة بهم، بما يضمن إتاحة التجربة الثقافية للجميع.



