أكبر مزرعة نخيل بالعالم.. مشروع عملاق يغيّر خريطة الزراعة في مصر
في قلب الصحراء الجنوبية لمصر، حيث كانت الرمال الممتدة لعقود طويلة رمزًا للفراغ والجفاف، بدأت ملامح واقع جديد تتشكل. فهناك، في منطقتي توشكى وشرق العوينات بمحافظة الوادي الجديد، تنفذ الدولة المصرية واحدًا من أكبر المشروعات الزراعية في العالم، يتمثل في إنشاء أكبر مزرعة نخيل لإنتاج التمور عالميًا.
هذا المشروع لا يمثل مجرد توسع زراعي، بل يأتي ضمن رؤية استراتيجية شاملة تستهدف تحقيق الأمن الغذائي، وتعظيم الصادرات الزراعية، وإقامة مجتمعات إنتاجية وعمرانية جديدة في الصحراء، في إطار خطة الدولة للتوسع في الرقعة الزراعية واستصلاح الأراضي وتحويل الصحراء إلى مصدر للإنتاج والثروة.

مشروع عملاق بقلب الصحراء
يندرج مشروع مزارع النخيل ضمن مشروع “توشكى الخير”، الذي يعد أحد أكبر مشروعات الاستصلاح الزراعي في مصر خلال العقود الأخيرة.
ويستهدف المشروع استصلاح مساحات شاسعة من الأراضي الصحراوية تصل إلى نحو 600 ألف فدان، مع التوسع في زراعة المحاصيل الاستراتيجية والفاكهة.
وقد اعتمد المشروع منذ انطلاقه على إنشاء بنية تحتية متكاملة تشمل شبكات الطرق الحديثة ومحطات الري ومعدات الزراعة المتطورة، بما يسمح بإقامة منظومة زراعية حديثة تعتمد على التكنولوجيا المتقدمة.
ومن بين أهم مكونات هذا المشروع الطموح إنشاء أكبر مزرعة نخيل في العالم، والتي تضم ملايين الأشجار من أجود أصناف التمور، مستفيدة من المناخ الجاف المناسب لزراعة النخيل، إلى جانب نظم الري الحديثة التي تضمن الاستخدام الأمثل للمياه.
أكبر مزرعة نخيل بالعالم
يمثل مشروع النخيل في توشكى وشرق العوينات أحد أبرز إنجازات المشروع الزراعي في مصر، حيث تستهدف الدولة إنشاء مزرعة تضم نحو 2.3 مليون نخلة، لتصبح أكبر مزرعة نخيل متصلة على مستوى العالم.
وتقع هذه المزرعة على مساحة تقارب 38 ألف فدان، وتضم عشرات الأصناف من التمور عالية الجودة التي تحظى بطلب متزايد في الأسواق العالمية.
ومن بين أهم الأصناف التي يجري زراعتها المجدولـ البرحي، الصقعي، السكري، الخلاص، الشيشي، النميشي، الحوي
وتعد هذه الأصناف من أفخر أنواع التمور العربية التي تتمتع بسمعة عالمية واسعة، خاصة في الأسواق الأوروبية والآسيوية والخليجية.

وقد تم تنفيذ المشروع في إطار بروتوكول تعاون بين وزارة الزراعة واستصلاح الأراضي وجهاز مشروعات الخدمة الوطنية، بهدف توطين زراعة هذه الأصناف في الصحراء الغربية باستخدام أحدث تقنيات الزراعة والري.
مصر الأولى عالميًا
يأتي هذا المشروع في وقت تحتل فيه مصر المركز الأول عالميًا في إنتاج التمور، حيث تمثل نحو 19% من الإنتاج العالمي للتمور، و24% من الإنتاج العربي
ويعد قطاع إنتاج وتصنيع التمور أحد القطاعات الزراعية الواعدة التي يمكن أن تسهم بشكل كبير في تحقيق النمو الاقتصادي وزيادة الصادرات الزراعية.
وتسعى الدولة من خلال هذا المشروع إلى تعظيم القيمة المضافة للتمور المصرية عبر تطوير منظومة التصنيع والتعبئة والتغليف بما يتوافق مع المعايير الدولية.
عاصمة التمور
تشهد محافظة الوادي الجديد توسعًا كبيرًا في زراعة النخيل وإنتاج التمور، حيث يبلغ عدد أشجار النخيل بالمحافظة نحو 4.3 ملايين نخلة، مع خطة للوصول إلى 5 ملايين نخلة بحلول عام 2025.
ويبلغ الإنتاج السنوي للمحافظة نحو 170 ألف طن من التمور، ما يجعلها واحدة من أهم مناطق إنتاج البلح في مصر.
ووفقًا لإحصاءات مديرية الزراعة بالمحافظة فعدد أشجار النخيل بلغ 2,278,650 شجرة، فيما وصل عدد النخيل المثمر لـ 1,685,566 نخلة، اما الأشجار غير المثمرة فوصلت لـ 527,507 شجرة، أما النخيل الذكور 65,577 شجرة
كما يبلغ متوسط إنتاج النخلة الواحدة من البلح الصعيدي نحو 83 كيلوجرامًا سنويًا.
وقد شهدت أسعار البلح خلال الموسم الماضي ارتفاعًا ملحوظًا، حيث وصل سعر الكيلو إلى 40 جنيهًا في بداية الموسم، قبل أن يستقر بين 35 و40 جنيهًا، وهو أعلى سعر يحققه البلح في تاريخه.
خطة طموحة
تتبنى محافظة الوادي الجديد خطة متكاملة لتعزيز صادرات التمور، حيث يتم التوسع في التعاقدات التصديرية مع عدد من الدول.
وقد نجحت المحافظة في تصدير منتجاتها إلى عدة أسواق دولية، من بينها كندا، وروسيا، وإندونيسيا، والمغرب؛ بالإضافة إلى عدد من الدول الأوروبية والعربية

ويتم تصدير التمور من خلال مجمع تمور الوادي الجديد الحكومي، الذي ينتج نحو 25 صنفًا من منتجات التمور المصنعة، من بينها البلح الخام، البلح منزوع النوى، البلح المحشو بالمكسرات، البلح المغطى بالشيكولاتة
منتجات مجهزة للتصدير
وتتم عملية التصنيع وفق أعلى معايير الجودة العالمية، بما يعزز القدرة التنافسية للتمور المصرية في الأسواق الدولية.
أكبر مجمع تمور بمصر
فيما تضم محافظة الوادي الجديد أكبر مجمع حكومي لإنتاج وتصنيع التمور في مصر، وهو مجمع تمور الوادي الجديد بمدينة الخارجة.
وقد تم إنشاء المجمع عام 1962 تحت اسم مصنع البلح والمنتجات الزراعية، قبل أن يتم تطويره وتغيير اسمه إلى مجمع تمور الوادي الجديد بعد إدخال صناعات جديدة.
ويقع المجمع على مساحة تبلغ نحو 14 فدانًا بما يعادل 60 ألف متر مربع.
وقد خضع المجمع لعملية تطوير شاملة بتكلفة بلغت نحو 24 مليون جنيه، تحت إشراف وزارة التجارة والصناعة، بهدف رفع كفاءة الإنتاج والتصنيع.
وشملت أعمال التطوير تحديث صالة الإنتاج، وكذا تطوير أنظمة الصرف والمياه والكهرباء، بالإضافة إلى تركيب نظام مراقبة بالكاميرات، وإنشاء وحدة غسيل للتمور، وفرن تجفيف، وماكينات نزع النوى، وكذا ماكينات التعبئة والتغليف؛ كما تبلغ الطاقة التخزينية للمجمع نحو 2200 طن، ويعمل به نحو 70 عاملًا دائمًا وموسميًا.
الصحراء تتحول إلى واحات إنتاج
فيما يمثل مشروع أكبر مزرعة نخيل في توشكى وشرق العوينات خطوة مهمة في استراتيجية الدولة المصرية للتوسع في الزراعة الصحراوية وتحقيق الأمن الغذائي.
ففي ظل التحديات العالمية المرتبطة بالأمن الغذائي وتغير المناخ، أصبحت الزراعة في الصحراء أحد الحلول الاستراتيجية لضمان استدامة الإنتاج الزراعي.
واليوم، وبعد سنوات من العمل المتواصل، بدأت الصحراء في جنوب مصر تتحول إلى واحات خضراء شاسعة تنتج ملايين الأطنان من المحاصيل الزراعية.

ومع استمرار التوسع في زراعة النخيل وتطوير منظومة التصنيع والتصدير، يتوقع الخبراء أن تتحول توشكى وشرق العوينات إلى أحد أكبر مراكز إنتاج التمور في العالم.
بناء مجتمعات عمرانية وإنتاجية
وفي النهاية فمشروع أكبر مزرعة نخيل في العالم في توشكى وشرق العوينات لا يمثل مجرد توسع زراعي، بل يعد نموذجًا لرؤية تنموية شاملة تسعى من خلالها الدولة المصرية إلى تحويل الصحراء إلى مصدر للإنتاج والثروة.
فمن خلال هذا المشروع الضخم، تعمل مصر على تعزيز الأمن الغذائي، وزيادة الصادرات الزراعية، وخلق فرص عمل جديدة، إلى جانب بناء مجتمعات عمرانية وإنتاجية حديثة في قلب الصحراء، بما يعزز مكانة البلاد على خريطة الزراعة العالمية ويؤكد قدرتها على تحويل التحديات إلى فرص للتنمية المستدامة.



