سيناريوهات ما بعد الإتفاق: خيارات تل أبيب تجاه طهران
كشف اللقاء الأخير بين الرئيس الأمريكي والرئيس الوزراء الإسرائيلي عن تباين واضح في المواقف تجاه الملف النووي الإيراني، إذ شدد الجانب الأمريكي على أولوية المسار الدبلوماسي للتوصل إلى اتفاق، بينما أبدت إسرائيل تشككًا عميقًا تجاه أي تفاهم مع طهران قد يحد من خياراتها العسكرية والأمنية.
ومع استمرار المفاوضات النووية في العاصمة العُمانية، تواجه إسرائيل وضعًا استراتيجيًا معقدًا، يضعها أمام تحدٍ يتمثل في إدارة المخاطر المرتبطة بأي اتفاق محتمل، مع انتظار تحديد تفاصيل الالتزامات الإيرانية وحدود القيود التي قد يفرضها الاتفاق على تحركاتها العسكرية والاستخباراتية.
ثلاثة مسارات محتملة لإسرائيل
تشير التحليلات إلى أن إسرائيل ستعتمد على ثلاثة مسارات رئيسية بعد أي اتفاق نووي: الضغط الدبلوماسي، تكثيف العمليات الاستخباراتية، والاحتفاظ بالخيار العسكري كاحتمال محدود.

الضغط الدبلوماسي: تهدف تل أبيب إلى استخدام أدوات الضغط داخل الولايات المتحدة لتعزيز موقفها، بما في ذلك التأثير على القرارات المتعلقة بالعقوبات أو شروط التنفيذ، إذا اعتبرت الاتفاقيات غير كافية لحماية مصالحها الأمنية.
العمليات الاستخباراتية: يبقى العمل السري والعمليات الميدانية أداة أساسية، تشمل التخريب الإلكتروني، الاغتيالات المستهدفة، وعمليات جمع المعلومات، لتعطيل برامج إيران النووية أو العسكرية دون اللجوء إلى مواجهة مباشرة.
الخيار العسكري: بينما يظل احتمال توجيه ضربة أحادية محدودًا، لا يستبعد أن تلجأ إسرائيل إلى عمل عسكري في حال اعتبرت الاتفاق يهدد برنامجها الدفاعي أو الأمن الإقليمي، خصوصًا فيما يتعلق بالصواريخ الباليستية أو النفوذ الإيراني في المنطقة.
معركة سياسية وإعلامية داخلية
تواجه الحكومة الإسرائيلية ضغوطًا سياسية داخلية، خاصة في عام انتخابي، إذ تحتاج القيادة إلى التكيف مع أي اتفاق محتمل وشرحه للرأي العام على أنه نتيجة تنسيق مشترك مع الولايات المتحدة، ما يعزز صورة التحالف الاستراتيجي ويخفف من التوتر الداخلي.
كما أن إسرائيل قد تستخدم وسائل الإعلام والمنظمات الداعمة لها للضغط على الإدارة الأمريكية نحو تبني سياسات أقوى أو فرض شروط إضافية على إيران، إذا لم يتم تلبية الحد الأدنى من توقعاتها الأمنية.
ضغوط اقتصادية واستراتيجية مستمرة
حتى مع التوصل إلى اتفاق نووي، تفضل إسرائيل استمرار الضغوط الاقتصادية القصوى على إيران، بهدف الحد من قدراتها العسكرية والسيطرة على طموحاتها النووية والإقليمية. إذ يرى صانعو القرار أن رفع العقوبات قد يمنح طهران موارد مالية إضافية تعزز من دعمها لحلفائها الإقليميين وتزيد من تهديداتها الاستراتيجية، بما في ذلك إمكانية استئناف البرنامج النووي مستقبلاً.
وتظل إسرائيل ملتزمة بمراقبة الوضع عن كثب، مع التركيز على توازن الخيارات بين الدبلوماسية والردع العسكري والاستخبارات السرية، مع ضمان قدرة الدولة على التصرف بسرعة إذا انتهكت إيران بنود الاتفاق أو وسعت نفوذها الإقليمي.
إدارة المخاطر أكثر من المواجهة المباشرة
توضح السيناريوهات أن إسرائيل أمام مرحلة دقيقة، عنوانها إدارة المخاطر أكثر من المواجهة المباشرة. فالمعادلة لا تعتمد فقط على القوة العسكرية، بل على القدرة على الضغط الدبلوماسي وتحريك الملفات الاستراتيجية والسياسية في واشنطن والعالم، مع استمرار مراقبة الاتفاقات الدولية والتأكد من التزام إيران بالقيود المفروضة.
وتبرز أهمية الدور الاستخباراتي كأداة ردع واحتواء، في ظل انخفاض احتمالات شن هجوم مباشر، ما يجعل مرحلة ما بعد الاتفاق اختبارًا حقيقيًا لاستراتيجية إسرائيل في مواجهة التحديات النووية والإقليمية الإيرانية، مع الحفاظ على القدرة على المناورة داخليًا وخارجيًا في آن واحد.



