من الأبراج إلى «5 G».. كيف تُعيد مصر كتابة مستقبلها الرقمي؟
محافظة القاهرة، قلب مصر النابض، ليست مجرد مساحة جغرافية، بل منصة تتلاقى عليها إرادة الإنسان والتقدم التكنولوجي، حيث تتشابك الرؤى الاقتصادية والاجتماعية مع الثورة الرقمية، لتشكّل فضاءً يتحدى الزمن والمكان.
هنا، تتحول البيانات إلى قوة، والترددات إلى نبضات حياة، لتؤكد أن مسيرة التنمية ليست مجرد أرقام واستثمارات، بل فلسفة تعامل الإنسان مع المستقبل، وإدراكه أن التقنية ليست رفاهية، بل امتداد لوجوده في العالم، وجسر نحو مجتمع معرفي متكامل.
توقيع أكبر صفقة ترددات
بدأت القصة بما وصف بحدث تاريخي للاتصالات، حيث شهدت العاصمة القاهرة مراسم توقيع أكبر صفقة ترددات منذ بدء تقديم خدمات المحمول في البلاد، بحضور الدكتور مصطفى مدبولي رئيس مجلس الوزراء، والدكتور عمرو طلعت وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات.
وقد نظمت وزارة الاتصالات والتكنولوجيا هذه الفعالية لتعكس التطورات المتسارعة في قطاع الاتصالات، والذي أصبح أحد الركائز الأساسية في بناء مصر الرقمية.
صفقة بـ3.5 مليار دولار
وفي ذلك الصدد أوضح الدكتور عمرو طلعت أن توقيع اتفاقيات تطوير خدمات الاتصالات يمثل صفقة تاريخية بكل المقاييس، حيث تضمنت إتاحة 410 ميجاهرتز إضافية لشركات المحمول، وهو ما يعادل تقريبًا كل ما أتيح طوال الثلاثين عاماً الماضية منذ بدء خدمات المحمول في مصر. وقدرت قيمة الصفقة بنحو 3.5 مليار دولار أمريكي، أي ما يعادل أكثر من ثلث إجمالي الاستثمارات التي اجتذبها القطاع خلال ثلاثة عقود، والتي بلغت نحو 10 مليارات دولار للحصول على السعات الترددية ورخص التشغيل.

وأكد الوزير أن هذه الصفقة تمثل خطوة فارقة في التزام وزارة الاتصالات ببناء مجتمع رقمي محوره الإنسان، حيث تستهدف استراتيجية مصر الرقمية تحقيق أربعة أهداف متضافرة، هي: "تمكين المواطنين بالقدرات الرقمية، النفاذ إلى الخدمات الرقمية الناجزة، الاستفادة من الحراك الابتكاري والتكنولوجيات الحديثة، وتحويل القطاع إلى قطاع إنتاجي اقتصادي".
بناء القدرات الرقمية
وأشار الدكتور طلعت إلى أن الهدف الأول يتمثل في تمكين المواطن من الانخراط في الاقتصاد الرقمي، مؤكدًا أن العالم الرقمي قد جعل الجغرافيا غير عائق أمام فرص العمل.
وأضاف أن اكتساب المهارات الرقمية والتخصصات المعلوماتية أصبح الجسر الأهم للالتحاق بالأسواق العالمية ومنصات العمل الحر، والمشاركة في مشروعات مصر الرقمية.
وأشار الوزير إلى توسع الحكومة في مبادرات بناء القدرات الرقمية، حيث تستهدف تدريب 800 ألف متدرب خلال العام المالي الحالي، بزيادة 200 ضعف عن عدد المتدربين في عام 2018.
الخدمات الرقمية
الركن الثاني في استراتيجية مصر الرقمية يتمثل في تقديم خدمات حكومية رقمية ناجزة، من خلال توسيع نطاق مشروعات التحول الرقمي لإعادة صياغة آليات تقديم الخدمات للمواطنين، وزيادة كفاءة العمل الحكومي.
وأكد الدكتور طلعت أن منصة مصر الرقمية، التي أُطلقت عام 2022، شهدت توسعًا كبيرًا في عدد الخدمات لتصل إلى أكثر من 210 خدمة رقمية، بالتعاون بين وزارة الاتصالات وكافة جهات الدولة ومؤسساتها، وبالشراكة مع القطاع الخاص.
وأكد الوزير أن آفاق التطوير لا تزال رحبة لتعزيز مفهوم الحكومة التشاركية اللاورقية، وتقديم خدمات أكثر تطورًا للأفراد والمؤسسات.
الذكاء الاصطناعي
واعتبر الوزير أن الركن الثالث يتمثل في تطويع التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي لتحويل الابتكارات إلى فرص تنموية، مؤكدًا أن التكنولوجيات الحديثة ليست ترفًا علميًا، بل ضرورة اقتصادية واجتماعية.
وأشار إلى أن هذا المنهاج سيظهر بشكل ملموس في أول مؤتمر للذكاء الاصطناعي في أفريقيا والشرق الأوسط (AI Everything) المزمع انعقاده يوم 11 فبراير.

قطاع الاتصالات كمحرك اقتصادي
الركن الرابع يتمحور حول تحويل قطاع الاتصالات إلى قطاع إنتاجي خدمياً واقتصادياً، يوفر فرص عمل ويجذب الاستثمارات، ويسهم في الصادرات والناتج المحلي الإجمالي.
وأوضح الدكتور طلعت أن القطاع استقطب 240 شركة عالمية تصدر خدمات رقمية من مصر إلى العالم، موفرًا أكثر من 170 ألف فرصة عمل. كما ارتفعت مساهمة القطاع في الناتج المحلي الإجمالي إلى أكثر من 6%، مقارنة بـ3.2% في عام 2018، ونمت الصادرات الرقمية بنسبة أكثر من 120% منذ 2018 لتصل إلى 7.4 مليار دولار عام 2025، مع استهداف الوصول إلى 9 مليارات دولار.
البنية التحتية الرقمية
وأكد الوزير أن البنية التحتية الرقمية، بشقيها المحمول والإنترنت الثابت، كانت دائمًا الركن الأساسي لبناء مصر الرقمية، مشيرًا إلى أن الدولة استثمرت قرابة 6 مليارات دولار لتطوير شبكات المحمول، وتعزيز كفاءة الإنترنت الأرضي، وتوسيع نطاق التغطية في الريف والحضر، وتحسين جودة الخدمات.
وأوضح أن استثمارات تحديث الإنترنت الأرضي بلغت 3.5 مليار دولار منذ 2019، ما أدى إلى مضاعفة متوسط سرعة الإنترنت 16 مرة، لتبقى مصر في المركز الأول أفريقيًا في سرعة الإنترنت الثابت لأكثر من خمسة أعوام متتالية.
أما تطوير خدمات المحمول، فارتكز على مسارين متكاملين، هما التوسع في الأبراج ومحطات المحمول، مضاعفة عددها منذ 2019 لتوسيع التغطية وتحسين الجودة، وتعظيم السعات الترددية للشركات، بوصفها المورد الحاكم لاستيعاب الطلب المتزايد على البيانات.
وأوضح الوزير أن إجمالي السعات الترددية قبل 2019 كان 272 ميجاهرتز، فيما أضافت الدولة من 2019 إلى 2022 نحو 140 ميجاهرتز إضافية، ليصل الإجمالي إلى 412 ميجاهرتز.
ومع الصفقة الأخيرة، يرتفع الإجمالي إلى 550 ميجاهرتز، وهو توسع غير مسبوق يدعم إطلاق خدمات الجيل الخامس 5G ويضمن جاهزية الشبكات لتطبيقات المستقبل.

شراكة الدولة والقطاع الخاص
وختم الوزير كلمته بالتقدير لرئيس الوزراء على دعمه المتواصل لتوفير مناخ استثماري محفز، كما شكر القوات المسلحة والمؤسسات الوطنية، وامتدح الشركات المشغلة لخدمات المحمول على التزامها الاستثماري طويل الأجل.
كما أشار إلى دور الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات بقيادة المهندس محمد شمروخ، في تعزيز الشراكات مع مشغلي المحمول، وإتاحة بيئة تنظيمية تدعم تطوير البنية التحتية الرقمية في مصر.
وفي النهاية فبهذه الصفقة والتوسعات، تؤكد مصر من جديد مكانتها الرائدة في مجال الاتصالات والبنية الرقمية في المنطقة، وتعكس رؤية استراتيجية طويلة الأمد لدعم الاقتصاد الرقمي وتوظيف التكنولوجيا كرافد أساسي للتنمية المستدامة.


