شبكة إبستين الخفية: كيف اشترى القرب من السلطة وصنع عالمه المظلم؟
لم يكن جيفري إبستين مجرد ملياردير غامض يتنقل بين العواصم، بل كان بحسب ما كشفته صحيفة التلجراف البريطانية مهندس شبكة نفوذ معقدة، أتقن نسج خيوطها عبر التملق، وربط المصالح، ثم تقديم المكافآت، قبل أن يعيد تدوير العلاقات نفسها مرارًا.
وتُظهر الوثائق المسربة أن إبستين بنى عالمين متوازيين يسيران جنبًا إلى جنب، الأول يضم سياسيين نافذين، ورجال أعمال، ومشاهير أغراهم بالهدايا والخدمات والرحلات الخاصة؛ والثاني أكثر قتامة، يضم فتيات قاصرات جرى استدراجهنّ والاعتداء عليهنّ على مدى سنوات، في منظومة استغلال محكمة.

اسم نوبل في مراسلات إبستين
في 11 أكتوبر 2013، وقف ثوربيورن ياجلاند، رئيس لجنة نوبل للسلام آنذاك، داخل قاعة المعهد النرويجي في أوسلو ليعلن فوز منظمة حظر الأسلحة الكيميائية بالجائزة، معربًا عن أمله في أن تسهم الخطوة في إنهاء الحرب السورية.
لكن ما أعقب الحفل من مأدبة رسمية لم يكن نهاية القصة، فبعد أيام قليلة، كشفت مراسلات لاحقة أن ياجلاند بعث برسالة إلى إبستين يطلب فيها زيارة جزيرته الخاصة “ليتل سانت جيمس” في الكاريبي، ليأتيه الرد سريعًا مع عرض بترتيب الرحلة باعتبارها “هدية عيد الميلاد”.
هكذا ظهر اسم مسؤول دولي رفيع في سجلات رجل أُدين لاحقًا بجرائم جنسية جسيمة، وتوفي داخل السجن عام 2019 في ظروف أثارت جدلًا واسعًا.

تسريبات تهزّ النخبة
زلزلت وثائق إبستين المسرّبة أوساط النخبة العالمية، رغم أن أجزاء كبيرة منها حُجبت بمربعات سوداء أخفت أسماء يُشتبه بتورطها في شبكة اتجار جنسي واسعة النطاق.
وتكشف الأوراق بوضوح نادر كيف شغّل إبستين شبكتين متداخلتين: شبكة لتجنيد واستغلال فتيات صغيرات، وأخرى لربط أغنى رجال العالم وأكثرهم نفوذًا بعلاقات شخصية يصعب الفكاك منها.
فبعد سنوات قليلة من خروجه من السجن بحكم مخفف في قضية استدراج قاصر، عاد إبستين عام 2014 ليستعرض نفوذه مجددًا، عبر حفل ضخم في قصره بمانهاتن، الأكبر من نوعه في المدينة.
قصر يناقش المريخ ويخفي الظلال
تحوّل القصر إلى صالون فكري يحضره مشاهير من طراز سيرغي برين، وبيل جيتس، وبيتر ثيل، ودارت النقاشات حول المريخ، والصواريخ، وتقنيات “البلوك تشين”، بينما كانت تفاصيل المكان تفضح ميول المضيف: نسخ من رواية لوليتا مبعثرة، وفيل محنط في منزله الباريسي، وشابات يرافقنه كأنهن جزء من بلاط خاص.
وكان ياجلاند أحد الحاضرين، بصفته رئيس لجنة نوبل وأمين عام مجلس أوروبا سابقًا، وألقى خطابًا ناقدًا للسياسة الأمريكية، ثم قَبِل لاحقًا عرضًا للعودة إلى أوروبا على متن طائرة إبستين الخاصة، المعروفة باسم “لوليتا إكسبريس”، وهو ما أثار تساؤلات واسعة لاحقًا.
أسطورة الخبير المالي
روج إبستين لنفسه باعتباره خبيرًا ماليًا لجأ إليه الأثرياء حين تعقدت أسواق الثمانينيات، غير أن تحقيقات صحفية عديدة وصفته بالمحتال الذي استغل كاريزمته للوصول إلى عائلات ثرية واستنزاف أموالها.
غادر بنك "بير ستيرنز" عام 1981 وسط اتهامات بتداولات داخلية، ثم طُرد لاحقًا من منزل رجل الأعمال البريطاني دوجلاس ليس بسبب فواتير نفقات باهظة.
خسر مستثمرون صغار مدخراتهم، بينما ظل “الكبار” عالقين في شِباكه؛ إذ تشير التقديرات إلى أن ليزلي ويكسنر وليون بلاك دفعا أو خسرا مئات ملايين الدولارات عبر تعاملاته.
ورغم ذلك، تكشف المراسلات أن اهتمام إبستين الحقيقي لم يكن منصبًا على الأسواق، بقدر ما كان على تنظيم جدولين متوازيين: جدول للمشاهير، وآخر لفتيات تتراوح أعمارهن بين 15 و17 عامًا.
منهج واحد للسيطرة
اعتمد إبستين الأسلوب نفسه في الشبكتين؛ استعان بمراهقات لتجنيد صديقاتهن، واستغل علاقة بنافذ للوصول إلى نافذٍ أكبر، وقال لإحدى معارفه السابقات إنه “يجمع الناس ويمتلكهم ويستطيع تدميرهم”، بينما وصفته أخرى بأنه “مريض نفسي” بارع في التلاعب بالطاقة البشرية.
بدأ تعارفه مع ياجلاند عام 2012، حين كان السياسي النرويجي يبحث عن مصدر دخل إضافي، وطلب نصيحة لدخول سوق المحاضرات، ففتح إبستين شبكة علاقاته ورتب له اتصالًا مع بيل ريتشاردسون، حاكم نيومكسيكو السابق.
ومع كثرة سفر ياجلاند بين باريس وسوتشي، بات يعتمد على ممتلكات إبستين في نيويورك وباريس، وربما الكاريبي، وتبادلا رسائل ذات طابع شخصي، تضمنت إشارات مقلقة إلى “فتيات استثنائيات” وعدم الاكتفاء “بالشابات فقط”.
ثقافة نفوذ لا رجل واحد
تخلص التلجراف إلى أن القضية تتجاوز شخص جيفري إبستين، لتكشف عن ثقافة نفوذ سمحت للمال بشراء القرب من السلطة، وحولت الطموح الإنساني إلى أداة في يد مجرم محترف.
وتُظهر القصة أن التملق يفتح الأبواب، والمكافأة تُسكت الضمائر، وتكرار الصمت يصنع شبكة يصعب تفكيكها، ولا تزال الأسئلة معلّقة حول حجم المتورطين الحقيقي، وحول قدرة العالم على حماية الأضعف من إغواء القوة والمال.



