ياسمين عبده تكتب: هل ينهار الاقتصاد العالمي الآن.. أم يعيد تشكيل نفسه؟
ما يعيشه الاقتصاد العالمي اليوم لا يمكن اختزاله في كلمة “أزمة”، ولا يمكن تلطيفه بوصف “دورة اقتصادية عابرة”. نحن أمام لحظة مفصلية تُعاد فيها كتابة القواعد من جديد، بينما تتهاوى المسلّمات التي حكمت العالم لعقود. السؤال لم يعد: متى تنتهي الصدمة؟ بل: أي اقتصاد سيخرج من تحت أنقاضها؟.
العالم يدخل عامه الأكثر ارتباكًا اقتصاديًا منذ الأزمة المالية الكبرى، لكن الفارق هذه المرة أن مركز العاصفة ليس قطاعًا واحدًا، بل المنظومة بأكملها. تضخم عنيد يرفض الانكسار، أسعار فائدة تُرفع بلا رحمة، ديون سيادية تتضخم كقنابل موقوتة، وأسواق تتحرك على وقع الخوف لا الحسابات العقلانية. الاقتصاد العالمي لا يسير… بل يتعثر وهو يحاول الحفاظ على توازنه.
الاقتصادات الكبرى، التي اعتادت تصدير الأزمات لا استيرادها، وجدت نفسها محاصَرة. الولايات المتحدة لم تعد قادرة على إدارة العالم اقتصاديًا كما كانت، بل باتت منشغلة بإطفاء حرائق الداخل: تضخم يضغط على الطبقة الوسطى، عجز مزمن، وأسواق تخشى لحظة الانكسار التالية. رفع الفائدة لم يعد أداة علاج، بل مسكّنًا مؤلمًا قد يفاقم المرض بدل شفائه.
أوروبا بدورها تعيش أزمة هوية اقتصادية. نموذج الرفاه الذي بُني على الطاقة الرخيصة والاستقرار الجيوسياسي انهار أمام واقع جديد: طاقة مكلفة، صناعات مهددة، ونمو يتآكل بصمت. لم تعد القارة العجوز لاعبًا يفرض الإيقاع، بل متلقّيًا للصدمات، يحاول النجاة أكثر مما يحاول القيادة.
في المقابل، لم تعد الاقتصادات الصاعدة تنتظر فتات النظام القديم. دول الجنوب العالمي بدأت تتحرك ببراغماتية قاسية، تعيد حساباتها بعيدًا عن الوصفات الجاهزة. سلاسل الإمداد تُعاد هندستها، والتحالفات الاقتصادية لم تعد أيديولوجية بل نفعية، تُبنى على سؤال واحد: من يضمن البقاء في عالم يتغير بهذه السرعة؟.
الاقتصاد العالمي يشهد انتقالًا من منطق “العولمة المريحة” إلى “العولمة الدفاعية”. لم يعد الهدف تعظيم الأرباح فقط، بل تأمين الموارد، حماية الصناعات، وضمان الحد الأدنى من الاستقلال الاقتصادي. هذا التحول مكلف، بطيء، ومؤلم، لكنه يعكس حقيقة واحدة: الثقة في النظام القديم تآكلت.
أما الأسواق، فهي المرآة الأكثر صدقًا لهذا الاضطراب. البورصات لم تعد تقرأ البيانات بقدر ما تقرأ المزاج العام. المستثمرون يتحركون بين الهروب والتحوّط، والذهب يعود لاعبًا رئيسيًا، والعملات تتقلب بلا بوصلة واضحة. رأس المال نفسه أصبح قلقًا، يبحث عن ملاذ لا عن مغامرة.
اللافت أن ما يُقدَّم كـ “إصلاح اقتصادي” في كثير من الدول ليس سوى نقل للأعباء من الحكومات إلى الشعوب. الطبقات المتوسطة تدفع الثمن الأكبر: ارتفاع تكاليف المعيشة، تآكل الدخول، وضغط معيشي يخلق حالة احتقان صامتة. الاقتصاد لم يعد أرقامًا في تقارير دولية، بل قلقًا يوميًا على موائد الناس.
ومع ذلك، لا يمكن القول إن العالم يتجه حتميًا نحو الانهيار الكامل. ما يحدث أقرب إلى عملية “إعادة تشكيل قسرية”. نظام اقتصادي يُنزَع عنه وهم الاستقرار، ليُعاد تركيبه على أسس جديدة: أقل مثالية، أكثر قسوة، وأكثر واقعية. اقتصاد تحكمه موازين القوة، لا الشعارات، والقدرة على التكيّف لا الخطابات الرنانة.
الدول التي ستنجو ليست الأكثر ثراءً، بل الأكثر مرونة. التي تفهم أن زمن الاعتماد الكامل على الخارج انتهى، وأن التنويع لم يعد رفاهية بل ضرورة. والتي تدرك أن العدالة الاجتماعية لم تعد ملفًا أخلاقيًا، بل شرط استقرار اقتصادي وأمني في آن واحد.
العالم لا يشهد نهاية الاقتصاد، بل نهاية طريقة إدارته القديمة. الفرق بين الانهيار وإعادة التشكل سيتحدد بقرارات تُتخذ الآن، لا غدًا. من يقرأ اللحظة جيدًا سيعيد تموضعه، ومن يكتفي بالانتظار قد يكتشف أن الأرض سُحبت من تحت قدميه.
ويبقى السؤال مفتوحًا، بلا إجابة جاهزة:
هل ينهار الاقتصاد العالمي فعلًا… أم أننا نشهد ولادة نظام اقتصادي جديد، أكثر قسوة، لكنه أكثر صدقًا مع الواقع؟.