رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

بعد عام من دخوله البيت الأبيض.. ماذا قدم ترامب للعالم وللولايات المتحدة؟

 ترامب
ترامب

في 20 يناير الحالي، كان قد مر عام كامل على تولي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سدة الحكم، عام حافل بالقرارات المثيرة للجدل، والتصريحات الصادمة، والتحولات العميقة في السياسة الداخلية والخارجية للولايات المتحدة، وتتزايد التساؤلات حول ما الذي نجح ترامب في تحقيقه خلال عامه الأول، وما الملفات التي تعثر أو فشل في ترجمتها إلى إنجازات ملموسة، وحاول معد التحقيق رصد حصاد العام الأول، ويضع تحت المجهر أبرز النجاحات والإخفاقات، وانعكاساتها على الداخل الأمريكي ومكانة واشنطن على الساحة الدولية.

ترامب  لم يتصرف كرئيس دولة بل كبلطجي سياسي

بداية، يرى الموقع الرسمي للبيت الأبيض، أن عودة ترامب للبيت الأبيض جاءت بتفويض شعبي واسع النطاق لاستعادة الازدهار، وتأمين الحدود، وإعادة بناء قوة أمريكا، ووضع مصلحة الشعب الأمريكي في المقام الأول، وفي غضون 365 يومًا فقط، حقق الرئيس ترامب نتائج تحويلية حقيقية، مسجلًا بذلك أنجح عام أول في تاريخ الرئاسة الأمريكية الحديث.

من الهجرة الصافية السلبية لأول مرة منذ 50 عامًا إلى أكبر انخفاض في جرائم القتل على الإطلاق، وإعادة استثمار تريليونات الدولارات، واتفاقيات السلام التي أنهت حروبًا متعددة، وإنتاج الطاقة، وتخفيضات هائلة في البيروقراطية، وضع الرئيس ترامب أمريكا أولًا.

فمن وجهة نظر نعمان أبو عيسي، عضو الحزب الديمقراطي الأمريكي، خلال حديثه لموقع “الجمهور” فإن ترامب خلال عامه الأول لم يتصرف كرئيس دولة، بل كبلطجي سياسي، حيث ذهب إلى فنزويلا واعتقل رئيسها، متجاوزًا حقوق الحصانة القانونية للرؤساء، كما أن الحكومة الأمريكية  أظهرت اهتمامًا بالصفقات الاقتصادية أكثر من احترام سيادة الدول والقوانين الدولية، خاصة فيما يتعلق بالشركات الأمريكية والاستثمار في النفط والغاز والمعادن.

موقف الأمريكيين من سياسات ترامب الاقتصادية

وبحسب منظمة "Center for American Progress"، فإنه بعد مرور عام على تولي إدارة ترامب السلطة، بدأ الأمريكيون يشعرون بتداعيات سياساته الاقتصادية الخاطئة، فقد شهد عام 2025 إعلانات متضاربة بشأن الرسوم الجمركية، وارتفاعًا في أسعار السلع الأساسية، وتزايدًا في معدلات البطالة، فضلًا عن تخفيضات تاريخية في الرعاية الصحية والمساعدات الغذائية والطاقة النظيفة، مما أدى إلى ارتفاع التكاليف، ولا يبشر العام الأول من الاضطرابات الاقتصادية التي شهدتها إدارة ترامب بمستقبل اقتصادي مزدهر لمعظم الأمريكيين، إذ يتوقع ما يقرب من 70% منهم أن يكون عام 2026 عامًا صعبًا اقتصاديًا. 

في حين وصفت محامية الأمن القومي الأمريكي "إيرينا تسوكرمان"، خلال حديثها لموقع “الجمهور”  السنة الأولى بأنها عام من الحراك السياسي المكثف، لكنه ذو مضمون استراتيجي متباين، فالإنجاز الحقيقي يُحدث تغييرات مستمرة بعد انتهاء التغطية الإعلامية، في حين أن كثيرًا مما شهدناه حتى الآن كان له أثر مؤقت وغالبًا ما تسيطر عليه الصياغة الإعلامية، بحسب وصفها، وتضيف:" أسلوب ترامب يركز على الضغط الإعلامي والهيمنة على الخطاب، والبعض يفسر النشاط المستمر كدليل على الفعالية، بينما يرى النقاد أنه مجرد استعراض".

مالك فرانسيس، عضو الحزب الجمهوري الأمريكي، تحدث لموقع “الجمهور”، قائلًا:" الرئيس ترامب لم يقُد الولايات المتحدة على أنها الدولة العظمى، بل بعصبية رجل يرى العالم صفقة، والمؤسسات عبئًا، والحلفاء عقبة، إذ يرى أن إنجازات العام الأول لم تتجاوز كونها استعراض قوة إعلامي، بينما تركت فراغًا في السياسات، وأن الدولة تُقاس بما يبقى بعد انقشاع الضجيج، وهنا كانت الحصيلة ضعيفة.

 منظمة "Center for American Progress"، أشارت إلى أن إدارة ترامب وعدت بخفض أسعار المواد الغذائية في اليوم الأول، إلا أن أسعار المواد الغذائية استمرت في بلوغ مستويات قياسية، ففي ديسمبر 2025، سجلت أسعار المواد الغذائية أسرع معدل نمو شهري لها منذ خريف 2022،  وارتفع سعر لحم البقر بنسبة 16% ، بينما ارتفع سعر البن بنسبة تقارب 20% بين يناير وديسمبر 2025، ودفع المستهلكون الأمريكيون أكثر من 6% زيادة على أسعار الفاكهة، وكذلك الأسماك والمأكولات البحرية الأخرى، كنتيجة مباشرة للتعريفات الجمركية التي فرضتها الإدارة، مقارنة بالأسعار قبل فرضها.

 تحويل الرئاسة من "منصب بروتوكولي" إلى "مركز قيادة استراتيجي"

أما من وجهة النظر الروسية، فترى لانا بدفان، أستاذ الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة موسكو، خلال حديثها لموقع “الجمهور”، أن ترامب في عامه الأول 2025، نجح في تحويل الرئاسة من "منصب بروتوكولي" إلى "مركز قيادة استراتيجي" أعاد تشكيل موازين القوى، فعلى الصعيد الداخلي، قاد ثورة في السيادة الاقتصادية عبر تفكيك البيروقراطية وتحقيق الاستقلال الطاقوي، بينما دوليًا، استبدل "الدبلوماسية التقليدية العقيمة" بـ "واقعية سياسية" تعتمد مبدأ "السلام من خلال القوة".

وبالعودة للحديث عن إنجازات ترامب، تحدث موقع البيت الأبيض عن إنجازات ترامب خلال عامه الأول، مشيرًا إلى نجاحه في وقف الحرب بين الاحتلال الإسرائيلي وحركة حماس من خلال فرض إطار لوقف إطلاق النار في قطاع غزة، وتأمين إطلاق سراح الأسرى، وتنفيذ خطة سلام تاريخية لغزة لإطلاق الأمن والازدهار الكاملين للجميع في المنطقة، ناهيك عن التوسط لإنهاء حرب الأيام الاثني عشر بين إسرائيل وإيران، والتوسط في تحقيق السلام بين أرمينيا وأذربيجان، والتوسط في السلام بين الهند وباكستان، والتوسط في السلام بين جمهورية الكونغو الديمقراطية ورواندا، والتوسط في تحقيق السلام بين كمبوديا وتايلاند، بالإضافة إلى وضع إطار عمل مدعوم من الولايات المتحدة لإنهاء الحرب الأوكرانية الروسية، واستئناف الضغط على إيران.

بدفان: ترامب أثبت أنه ليس مجرد رجل صفقات

بدفان اتفقت مع التقرير المنشور عبر موقع البيت الأبيض، واختلفت مع مالك فرانسيس، عضو الحزب الجمهوري الأمريكي، الذي يعتقد أن ترامب يرى العالم صفقة، حيث أشارت إلى أن ترامب أثبت أنه ليس مجرد رجل صفقات فقط، بل رئيس استطاع فرض الاستقرار في بؤر التوتر مثل أوكرانيا والشرق الأوسط عبر سلاح "الردع الاقتصادي" وإعادة هيكلة التحالفات الدولية لتكون أكثر عدلًا للمواطن الأمريكي، بحسب بدفان، وهو ما جعل أمريكا في مطلع 2026 قطبًا مستقلًا وأكثر هيبة، رغم ما يثيره هذا النهج الصدامي من استقطاب داخلي وتوتر مع النخب التقليدية في أوروبا.

أما  دينيس كوركودينوف، رئيس المركز الدولي للتحليل السياسي والتنبؤ الروسي، فيعتقد خلال حديثه لـ"الجمهور" أن ترامب اتبع نهج المفاوض الشخصي أو مدير الصفقات، مع إنشاء هياكل موازية خارج المؤسسات الدولية، واستخدام الضغط الاقتصادي لتحقيق أهدافه، مثل مبادرة "مجلس السلام" لغزة ودمج رؤساء دول سابقين ومستشارين أمريكيين، كما أن أسلوبه في الأزمة الأوكرانية وجرينلاند اعتمد على المفاوضات المباشرة والرسوم الجمركية كأداة ضغط، بعيدًا عن النهج المؤسسي التقليدي.

وتضيف بدفان:"أمريكا في 2026 ليست معزولة، بل هي "مركز الثقل" الذي يخشى الجميع خسارته، وعندما هدد بالخروج من الناتو أو فرض ضرائب على الدول التي لا تنفق على دفاعها، لم يكن يعزل أمريكا، بل كان "يعيد هيكلة التحالف" ليصبح أكثر توازناً، القوة هنا هي القدرة على قول "لا" ووضع شروط، وهذا ما جعل القوى الكبرى تحسب ألف حساب للتحركات الأمريكية.

 تسوكرمان: ترامب تعامل مع الأزمات العالمية كصانع صفقات

واختلفت تسوكرمان مع حديث بدفان، حيث ترى تسوكرمان أن ترامب تعامل مع الأزمات العالمية كصانع صفقات، وليس كرئيس تقليدي، وعلى الرغم من أن إدارة الأزمات بهذا الشكل أعطت نتائج فورية، لكنها فشلت في تحقيق استقرار طويل المدى، في حين اختفلت معها بأن ميل ترامب إلى فرض النفوذ والتهديدات على الحلفاء أضعف الثقة وأدى إلى عزلة استراتيجية متزايدة.

وفي سياق حديث البيض الأبيض عن إنجازات ترامب، أشار إلى أن العجز التجاري انخفض إلى أدنى مستوى له منذ عام 2009، كما ارتفعت قيمة الصادرات الأمريكية إلى ثاني أعلى مستوى لها على الإطلاق، كما أعاد فرض تعريفة جمركية بنسبة 25% على واردات الصلب ورفع التعريفة الجمركية إلى 25% على واردات الألومنيوم لحماية هذه الصناعات الأمريكية الحيوية من المنافسة الأجنبية غير العادلة.

ويرى الدكتور نادر رونج، عضو مجلس إدارة الجمعية الصينية لدراسات الشرق الأوسط، خلال حديثه لموقع “الجمهور” أن سياسة الرسوم الجمركية التي اتبعها ترامب، وسياسته بأنه رجل صفقات أسهم في دفع الولايات المتحدة نحو قدر أكبر من العزلة على الساحة الدولية، ومع ذلك، لا يمكن تجاهل أن ترامب لا يزال يحظى بدعم شريحة من الأمريكيين، الذين يرون أن أسلوبه القائم على البراغماتية والمكاسب المادية المباشرة أكثر فاعلية في حماية المصالح الأمريكية.

وفي ملف الصين، لم يتعامل كخصم أيديولوجي بل كـ "مفاوض صعب"، استخدم سلاح التعريفات الجمركية (التي وصلت لـ 100% على بعض السلع) ليجبر بكين على توقيع اتفاقيات تاريخية للحد من تدفق "الفنتانيل" وزيادة المشتريات الزراعية، وفقا لحديث لانا بدفان مع "الجمهور"، ترامب يرى أن كل أزمة دولية هي "صفقة" تنتظر من يفرض شروطه فيها، وهذا حوّل السياسة الخارجية من "وعظ أخلاقي" إلى “تبادل مصالح”.

 العالم محكوم "بالقوة أو بالسلطة"

ووجدت مقولة المورخ اليوناني ثوسيديدس القائلة بأن "القوة هي الحق" صدى في تصريحات ستيفن ميلر نائب رئيس موظفي البيت الأبيض لشؤون السياسة ومستشار الأمن الداخلي، خلال مقابلة أجراها مع شبكة CNN في يناير 2026، بأن العالم محكوم "بالقوة، أو بالسلطة"، واصفًا إياها بـ"القوانين الحديدية للعالم"، وإذا ما أخذنا هذه المقولة إلى نتيجتها المنطقية، كما لاحظ ثوسيديدس في "تاريخ الحرب البيلوبونيسية"، فإن "الأقوياء يفعلون ما في وسعهم، والضعفاء يتحملون ما يجب عليهم تحمله"، بحسب مجلة "Responsible Statecraft".

إيرينا تسوكرمان اتفقت مع مقولة ثوسيديدس، مشيرة إلى أن ترامب نجح في "إجبار النظام الدولي على إعادة حسابات سريعة"، وجعل السياسة الأمريكية تبدو ذات تأثير مباشر، وهذا الضغط أزال الكثير من الافتراضات التقليدية، لكنه لم يتحول إلى استراتيجية مستدامة والإكراه الاقتصادي أداة رئيسية في السياسة الخارجية، رغم أن بعض النتائج كانت مؤقتة وليست دائمة".

في حين يرى رونج، أنه يمكن القول إن سياسات ترامب اتسمت بأسلوب خاص ومغاير، حيث انسحبت الولايات المتحدة خلال فترة حكمه من نحو 66 منظمة واتفاقية دولية، كما أقدمت إدارته على خفض الإنفاق الحكومي بهدف رفع كفاءة مؤسسات الدولة، لكنها في المقابل زادت الميزانيات الدفاعية والأمنية، ما يعكس تناقضًا واضحًا في الأولويات.

ويضيف: شن ترامب خلال العام الماضي أكبر حرب رسوم جمركية، معتمدًا عليها كأداة رئيسية للضغط الاقتصادي، إلا أن هذه السياسة، بحسب رونج، لم تحقق النتائج المرجوة، ولم تُحدث التحولات التي روّجت لها الإدارة الأمريكية في بداياتها.

نسبة النجاح الفعلي لترامب

إيفان يواس، مستشار مركز السياسات الخارجية الأوكراني، يرى خلال حديثه لموقع "الجمهور" أن غالبية ما قدمه ترامب على أنه إنجازات ليس إلا شعارات سياسية صاخبة، فيما يندر وجود نتائج ملموسة على الأرض، ويعتقد أن نسبة النجاح الفعلي لترامب تُقدر بعشرة في المئة فقط، مقابل تسعين في المئة خطابات سياسية تهدف إلى التأثير الإعلامي، ومعظم السياسات، سواء داخلية أو خارجية، تعتمد على المظاهر والضجيج الإعلامي أكثر من التنفيذ الملموس.

إلا أنه استدرك، قائلًا:" اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، أثبت أن ترامب يمكنه تحويل بعض الشعارات إلى أفعال قابلة للتنفيذ، ونوّه بأن الإجراء كان مصممًا بعناية ليترك أثرًا عمليًا وليس مجرد كلام.

موقف ترامب القانوني خلال عامه الأول

اعتقال مادورو، كانت قد أثارت حالة من الجدل الدولي ضد ترامب، بحسب الدكتور مايكل كارنافاس، المحامي لدى المحكمة الجنائية الدولية، خلال حديثه لموقع “الجمهور”، والذي أكد أن القانون الجنائي الدولي لا يعمل بمعزل عن السياسة، الولايات المتحدة لا تعترف باختصاص المحكمة الجنائية الدولية، بل سبق أن فرضت عقوبات على مسؤوليها وهددتهم، ما يجعل أي محاولة لمحاسبة مسؤولين أمريكيين شبه مستحيلة.

واختلال موازين القوى يجعل غياب المساءلة جزءًا بنيويًا من النظام الدولي الحالي، فالمشكلة ليست في نقص القواعد القانونية، بل في غياب القدرة على إنفاذها ضد الدول الكبرى، بحسب كارنافاس، الذي نوه إلى أن الاعتقال باستخدام قوات أمريكية داخل الأراضي الفنزويلية، يُعد ذلك انتهاكًا لسيادة فنزويلا وخرقًا لحظر استخدام القوة، ما يجعله عملًا غير قانوني بموجب القانون الدولي، لكن عدم المشروعية لا يعني بالضرورة أن الفعل يُصنف كجريمة دولية.

ما تحقق استعراض قوة إعلامي

مالك فرانسيس، عضو الحزب الجمهوري الأمريكي اتفق مع يواس، مشيرًا إلى أن ما تحقق خلال هذا العام ليس مشروع حكم متكامل، بل استعراض قوة إعلامي"، وترامب ملأ الفضاء السياسي بالضجيج، وكثرت التصريحات والصدامات، بينما قلت النتائج القابلة للبقاء، والدولة لا تُقاس بعدد التغريدات أو حجم التهديدات، بل بما يبقى عندما يهدأ الصوت، وهنا، الحصيلة ضعيفة.

السفير مسعود معلوف، الدبلوماسي السابق، والخبير الأمريكي، يرى خلال حديثه لموقع "الجمهور" أن ترامب معروف بميله إلى المبالغة في توصيف إنجازاته، فهو يقدم نفسه دائمًا باعتباره أعظم رئيس في تاريخ الولايات المتحدة، بل ومحور السياسة العالمية، وكثير مما يطرحه يبتعد عن الواقع، سواء في حجم الإنجازات أو في نتائج السياسات التي يتحدث عنها، ويضيف معلوف:"يميل ترامب لعقد مؤتمرات صحفية مطولة أمام وسائل الإعلام الأمريكية والدولية، لاستعراض ما وصفه بإنجازات عام كامل من ولايته الثانية، مستندًا إلى وثائق وتقارير قال إنها تتجاوز مئتي صفحة، واعتبرها دليلًا على نجاحه.

إنجازات ترامب من وجهة النظر الأمريكية

البيت الأبيض أشار في تقرير له حول إنجازات الرئيس ترامب إلى أن الولايات المتحدة حققت صافي هجرة سلبي في عام 2025، مما عكس اتجاهًا استمر 50 عامًا وأعاد السيطرة على تدفقات الهجرة لأول مرة منذ جيل، وتم ترحيل أكثر من 2.6 مليون مهاجر غير شرعي من الولايات المتحدة من خلال عمليات الترحيل والمغادرة الطوعية الذاتية، بالإضافة إلى تنفيذ أكثر من 650 ألف عملية اعتقال واحتجاز وترحيل للمهاجرين غير الشرعيين، وقام بترحيل أكثر من 400 ألف مهاجر غير شرعي متهمين أو مدانين بارتكاب جرائم، وأدى ذلك إلى ترحيل مليوني شخص طوعًا عن طريق إنهاء حوافز الإفراج التي كانت سارية في عهد بايدن، وخفضت عمليات عبور الحدود غير القانونية إلى أدنى مستوى لها منذ سبعينيات القرن الماضي، مما أدى إلى القضاء التام على الغزو الذي حدث في عهد بايدن، ناهيك عن خفض تهريب الفنتانيل على الحدود الجنوبية بنسبة 56%.

تقييم الإنجازات الترامبية يتطلب تقسيمها إلى مجالات رئيسية وتحليل نتائج محددة قابلة للقياس، فمثلا مجال الهجرة شهد تغييرات ملموسة، حيث استؤنف بناء الحواجز الحدودية، وأُلغيت برامج عدة للإدارة السابقة، وتم ترحيل 605 آلاف شخص، بالإضافة إلى 1.9 مليون مغادرة طوعية، بالإضافة إلى تعليق برنامج قبول اللاجئين وخفض الحصة إلى 7,500 شخص يمثل إنجازًا ملموسًا، بحسب دينيس كوركودينوف.

معهد "The Center for American Progress" يرى أن النتائج التي حققها ترامب غير مرضية بالنسبة للمواطنيين الأمريكيين، حيث شعروا بالضغوط المالية الناجمة عن السياسات الاقتصادية للإدارة الأمريكية، حيث أعرب ثلثا الأمريكيين عن قلقهم في ديسمبر 2025 بشأن تأثير الرسوم الجمركية على أوضاعهم المالية، ووفقًا لمختبر التسعير التابع لكلية هارفارد للأعمال، ارتفعت أسعار السلع المنزلية اليومية في أعقاب الرسوم الجمركية الجديدة الضخمة التي فرضتها إدارة ترامب.

 المجال الاقتصادي في الحقبة الترامبية 

وفي سياق الحديث عن المجال الاقتصادي، اتفق كوركودينوف مع ما ذكره "The Center for American Progress"، حيث نوه إلى أن النتائج كانت متناقضة، فبينما انخفض العجز التجاري بنسبة 36%، عاد التضخم إلى مستويات 2.7–3%، وارتفعت تكلفة الكهرباء بنسبة 10.4%، فيما انخفضت حصة الولايات المتحدة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي إلى 14.65%، أما على الصعيد الخارجي، فالمبادرات مثل "مجلس السلام" أو المفاوضات حول أوكرانيا لا تزال في مراحلها الأولى ولم تتضح نتائجها بعد.

وبالمقارنة مع الأسعار قبل فرض الرسوم الجمركية خلال الفترة من أكتوبر 2024 إلى مارس 2025، ارتفعت أسعار السلع المنزلية الأساسية بشكل ملحوظ في عام 2025، بما في ذلك السلع المنزلية غير المعمرة مثل مواد التنظيف وورق التواليت بزيادة 5%، والأثاث المنزلي بزيادة 8%، والملابس بزيادة 14%، كما ساهمت رسوم إدارة ترامب الجمركية في زيادة أسعار السلع باهظة الثمن مثل السيارات، وجعلت بناء منازل جديدة أكثر تكلفة. 


ووفقًا لمختبر الميزانية التابع لجامعة ييل، ستكلف رسوم إدارة ترامب الجمركية الأسرة المتوسطة 1700 دولار سنويًا، وعلى الرغم من مزاعم إدارة ترامب بأنها ستنهي التضخم، إلا أن التضخم ظل أعلى من المعدل المستهدف للاحتياطي الفيدرالي البالغ 2% طوال عام 2025، وقد عزت دراستان بارزتان ارتفاع التضخم إلى سياسات التعريفات الجمركية لإدارة ترامب، حيث وجدتا أن التعريفات تضيف ما يصل إلى 0.7 و 0.5 نقطة مئوية إلى مؤشر أسعار المستهلك ومؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي، على التوالي.

السنة الأولى لإدارة ترامب 

السنة الأولى لإدارة ترامب شهدت أضعف نمو في الوظائف خارج فترة الركود الاقتصادي منذ عام 2003، حيث لم تُضف سوى 584 ألف وظيفة خلال العام بأكمله، مقارنة بأكثر من مليوني وظيفة في عام 2024، بحسب "The Center for American Progress" ومن بين هذه الوظائف، أُضيفت 85% منها قبل إعلان الإدارة عن تعريفات "يوم التحرير" في أبريل 2025، وكان متوسط ​​النمو الشهري للوظائف في عام 2025 أقل من ثلث متوسط ​​عام 2024، حيث بلغ 49 ألف وظيفة شهريًا مقارنةً بـ 168 ألف وظيفة شهريًا في عام 2024.

على الرغم من مزاعم إدارة ترامب بأن الرسوم الجمركية ستعزز الصناعة الأمريكية في عام 2025، فقد قطاع الصناعات التحويلية 72 ألف وظيفة خلال الفترة من أبريل إلى ديسمبر 2025. كان التوظيف ينمو ببطء قبل فرض الرسوم الجمركية، لكنه شهد خسائر في الوظائف للعاملين في قطاع الصناعات التحويلية كل شهر بعد تطبيقها.

فيما مدح البيت الأبيض عام ترامب الأول، حيث يرى أنه تم توفير ما يقدر بنحو 215 مليار دولار، أي ما يعادل 1335 دولارًا لكل دافع ضرائب أمريكي من خلال جهود إدارة ترامب لرفع كفاءة الحكومة، وتم توقيع 228 أمرًا تنفيذيًا، ونفذ بسرعة وعود الحملة الانتخابية الأساسية دون تأخير أو انحراف، كما تم القضاء على المكاتب والموظفين والممارسات التمييزية المتعلقة بـ "التنوع والإنصاف والشمول" في جميع أنحاء الجهاز البيروقراطي إلى جانب العودة إلى التوظيف القائم على الجدارة، بالإضافة إلى أنه تم إلغاء تفضيلات التوظيف القائمة على أساس العرق والجنس في جميع أنحاء السلطة التنفيذية.

ترامب يتصرف كرجل صفقات

فترامب لم يتصرف كرئيس دولة، بل كرجل صفقات، فالأزمات العالمية لا تُدار بمنطق "ادفع أو ارحل"، بحسب مالك فرانسيس، وأن ما فعله ترامب كان تفكيكًا للسياسة الخارجية إلى ملفات قصيرة النفس، بلا رؤية واضحة أو ضمانات طويلة المدى، والنتيجة كانت صفقات مؤقتة، توترات دائمة، واستقرارًا مفقودًا.

واتفق أبو عيسى مع وجهة نظر فرانسيس، حيث يرى أن ترامب لم يتصرف كرئيس دولة، بل كبلطجي سياسي، فترامب ذهب إلى فنزويلا واعتقل رئيسها، متجاوزًا حقوق الحصانة القانونية للرؤساء، كما أن الحكومة الأمريكية أظهرت اهتمامًا بالصفقات الاقتصادية أكثر من احترام سيادة الدول والقوانين الدولية، خاصة فيما يتعلق بالشركات الأمريكية والاستثمار في النفط والغاز والمعادن.

وفي سياق الحديث عن الصفقات، يرى البيت الأبيض، أن ترامب نجح في القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، المتورط في تجارة المخدرات والمطلوب منذ فترة طويلة، مما مهد الطريق لمحاكمته في الولايات المتحدة، كما تم التوصل إلى اتفاق مع فنزويلا لتسليم ما بين 30 و50 مليون برميل من النفط الخاضع للعقوبات إلى الولايات المتحدة، والاستيلاء على ناقلات النفط الفنزويلية الخاضعة للعقوبات لقطع التمويل عن نظام مادورو، كما فرضت عقوبات على أسطول النفط غير الرسمي في فنزويلا، مما أدى إلى شلّ مصادر الإيرادات غير المشروعة للنظام.

ترامب اتبع نهج المفاوض الشخصي أو مدير الصفقات

أما  دينيس كوركودينوف، فيرى أن ترامب اتبع نهج المفاوض الشخصي أو مدير الصفقات، مع إنشاء هياكل موازية خارج المؤسسات الدولية، واستخدام الضغط الاقتصادي لتحقيق أهدافه، مثل مبادرة "مجلس السلام" لغزة ودمج رؤساء دول سابقين ومستشارين أمريكيين، كما أن أسلوبه في الأزمة الأوكرانية وجرينلاند اعتمد على المفاوضات المباشرة والرسوم الجمركية كأداة ضغط، بعيدًا عن النهج المؤسسي التقليدي.

ستيفن ليفيتسكي ودانيال زيبلات، وهما عالما سياسة بارزان من جامعة هارفارد كتبا في مجلة "فورين أفيرز" الشهر الماضي : "في عام 2025، لم تعد الولايات المتحدة ديمقراطية كاملة بالمعنى الذي تُعتبر به كندا أو ألمانيا أو حتى الأرجنتين ديمقراطيات، والولايات المتحدة في عهد ترامب "انزلقت إلى الاستبداد التنافسي"، وهو نظام تُجرى فيه الانتخابات، لكن الحزب الحاكم يستغل السلطة لقمع المعارضة وترجيح كفة الميزان لصالحه.

وعند الحديث عن الإنجاز الأبرز الذي لا يختلف عليه حتى خصوم ترامب خلال عامه الأول، يرى معلوف، أن إغلاق الحدود الجنوبية أمام الهجرة غير الشرعية يُعد أبرز إنجاز حقيقي للرئيس ترامب، وهو أمر يعترف به حتى قطاع من الحزب الديمقراطي، نظرًا لما كانت تشهده الحدود مع المكسيك من تدفقات كبيرة للمهاجرين غير النظاميين في السنوات الماضية.

في حين ترى بدفان أن الإنجاز الأبرز هو "استعادة السيادة الاقتصادية"، حتى أشرس معارضي ترامب لا يمكنهم إنكار عودة الاستثمارات الصناعية الكبرى إلى الداخل الأمريكي، فنجاح الإدارة في فرض مبدأ "المعاملة بالمثل" في التجارة الدولية غيّر قواعد اللعبة عالميًا، بحسب بدفان، وأجبر دولًا ومؤسسات دولية على إعادة التفاوض بشروط تخدم العامل الأمريكي أولًا، وهو واقع تعكسه أرقام التوظيف في الولايات الصناعية.

ومجمل سياسات ترامب أسهم في دفع الولايات المتحدة نحو قدر أكبر من العزلة على الساحة الدولية، ومع ذلك، لا يمكن تجاهل أن ترامب لا يزال يحظى بدعم شريحة من الأمريكيين، الذين يرون أن أسلوبه القائم على البراجماتية والمكاسب المادية المباشرة أكثر فاعلية في حماية المصالح الأمريكية.

عزلة أمريكا الدولية.. اختلاف في وجهات النظر

واختلفت بدفان مع رونج، فيما يتعلق بعزلة أمريكا الدولية، حيث ترى أن المصطلح الأدق هو أن أمريكا أصبحت “أكثر تركيزًا واقتدارًا”، ما يراه البعض عزلة هو في الحقيقة "إعادة تموضع استراتيجي"، فترامب جعل أمريكا أقوى عبر التخلص من الالتزامات الدولية غير المتكافئة، مثل إلتزاماته تجاه حلف "الناتو"، فالقوة اليوم تُقاس بالاستقلال المالي والطاقوي، وأمريكا في 2026 أصبحت أكثر استقلالًا في هذين المجالين من أي وقت مضى.

أما كوركودينوف، فيرى أن الإدارة عززت القدرة العملياتية الأمريكية في مجالات محددة، مثل الهجرة والسيطرة على تدفقات اللاجئين والضغط العسكري، لكنها أدت في الوقت نفسه إلى عزلة متزايدة، كما أن النزاع مع الحلفاء الأوروبيين وانخفاض حصة الدولار في التسويات الدولية يعكس تراجعًا في الثقة، القوة الأمريكية كانت أحادية الجانب، ما أدى إلى استقلالية أكبر للحلفاء وظهور منافسين جدد على الساحة الدولية.

تم نسخ الرابط