مشروع يغيّر معادلة الغذاء في مصر.. الفيوم تستعد لمرحة جديدة
محافظة الفيوم ليست مجرد رقعة جغرافية هادئة على خريطة مصر، بل مساحة تتقاطع فيها أسئلة البقاء مع معادلات التنمية، حيث تعيد الدولة صياغة مفهوم القوة من جذوره.
ففي زمن لم تعد فيه السيادة تُقاس فقط بحدودٍ تُحرس أو جيوشٍ تُجهَّز، بات الأمن الغذائي أحد أخطر ميادين الصراع الصامت، وأصبح الاكتفاء الذاتي فعلًا استراتيجيًا يوازي في أهميته حماية الأرض ذاتها.

مشروعات الإنتاج الحيواني
ومن هذا العمق، تنبع فلسفة مشروعات الإنتاج الحيواني، لا كمجرد استثمارات اقتصادية، بل كاختيار وطني يعكس وعي الدولة بأن الإنسان لا يُحمى بالسلاح وحده، بل بقدرته على العيش الكريم.
بدأت القصة في قلب محافظة الفيوم، وعلى مساحة شاسعة تعكس حجم الرؤية والطموح، يبرز مجمع الإنتاج الحيواني المتكامل بمدينة يوسف الصديق كنموذج عملي لتجسيد استراتيجية الدولة المصرية في تنمية الثروة الحيوانية وتحقيق الأمن الغذائي.
هذا المشروع، الذي جرى التخطيط له وتنفيذه بناءً على توجيهات السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي، يمثل حجر زاوية في منظومة وطنية متكاملة تستهدف تقليل الفجوة الغذائية وتعظيم الاستفادة من موارد الدولة.

رؤية دولة والتنفيذ على الأرض
في إطار التنسيق المستمر بين جهاز مشروعات الخدمة الوطنية ووزارة الزراعة واستصلاح الأراضي، جرى التخطيط لتنفيذ سلسلة من المشروعات المتكاملة في مجال الإنتاج الحيواني، ليس باعتبارها مشروعات منفصلة، بل كمنظومة واحدة مترابطة تشمل التربية، والتسمين، والتصنيع، والتسويق، بما يضمن تحقيق أعلى قيمة مضافة للمنتج النهائي، وخفض تكلفته على المواطن.
ويمثل مجمع مدينة يوسف الصديق بالفيوم أحد أهم هذه المشروعات، حيث أُقيم على مساحة تُقدَّر بنحو 485 فدانًا، ليضم مكونات إنتاجية وخدمية متكاملة تعكس أحدث ما وصلت إليه النظم العالمية في هذا المجال.

ثلاث مزارع و18 ألف رأس ماشية
يضم المجمع ثلاث مزارع متخصصة في تربية وتسمين الماشية من سلالات اللحوم، بطاقة استيعابية إجمالية تصل إلى 18 ألف رأس، جرى تجهيزها وفق معايير حديثة تضمن تحسين معدلات النمو وجودة الإنتاج، مع الالتزام الكامل بالاشتراطات الصحية والبيطرية والبيئية.
ويُعد هذا الحجم من الطاقة الإنتاجية إضافة نوعية إلى منظومة إنتاج اللحوم الحمراء في مصر، خاصة في ظل التحديات المرتبطة بزيادة معدلات الاستهلاك والنمو السكاني، وما يفرضه ذلك من ضرورة التوسع في الإنتاج المحلي وتقليل الاعتماد على الاستيراد.
مجزر آلي
ولا تكتمل منظومة الإنتاج دون مرحلة التصنيع، وهو ما تجسده إقامة مجزر آلي متكامل داخل المجمع، يضم خطين للإنتاج، تم إنشاؤهما وفق أحدث النظم العالمية، وبما يتوافق مع كافة الاشتراطات الصحية والبيئية، بما يضمن سلامة المنتج النهائي وجودته العالية.
ويمثل هذا المجزر حلقة محورية في سلسلة القيمة، إذ يسهم في تقليل الفاقد، ورفع كفاءة عمليات الذبح والتجهيز، وضمان تداول آمن للحوم، سواء للسوق المحلية أو لمنافذ البيع التابعة للمشروع.

مصانع لتصنيع اللحوم
وفي إطار تعظيم العائد الاقتصادي من المشروع، يضم مجمع يوسف الصديق مصنعًا متكاملًا لإعداد مختلف مصنعات اللحوم وتعبئتها، إلى جانب مصنع متخصص لإنتاج الكورندبيف المعبأ، بما يفتح آفاقًا جديدة لتوفير منتجات غذائية متنوعة ذات جودة عالية وبأسعار مناسبة.
ويُعد هذا التوجه جزءًا من استراتيجية الدولة للتحول من مجرد الإنتاج الخام إلى التصنيع الغذائي، بما يعزز القيمة المضافة، ويدعم القدرة التنافسية للمنتج المصري في السوق.
من المصدر للمواطن
ولتقريب المسافة بين المنتج والمستهلك، جرى إنشاء منفذ لبيع السلع الغذائية على مساحة تقارب 1000 متر مربع داخل المجمع، بما يتيح طرح المنتجات مباشرة للجمهور، ويُسهم في ضبط الأسعار، وتوفير منتجات آمنة وعالية الجودة دون حلقات وسيطة.

مركز علمي للأبحاث
ويمثل البُعد العلمي أحد أبرز ملامح المشروع، حيث جرى إنشاء أكبر مركز علمي للأبحاث والتدريب البيطري داخل المجمع، على مساحة 13 ألف متر مربع. ويضم المركز قاعات محاضرات ومعامل مجهزة على أعلى مستوى، لدعم منظومة العمل البيطري، ورفع كفاءة الكوادر العاملة بالمشروع.
كما جرى التنسيق مع عدد من كليات الطب البيطري للاستفادة من إمكانيات المركز في العملية التعليمية، بما يسهم في ربط التعليم الأكاديمي بالتطبيق العملي، وإعداد كوادر قادرة على قيادة مشروعات الإنتاج الحيواني الحديثة.
منظومة وطنية أوسع
فيما لا ينفصل مجمع يوسف الصديق عن باقي مشروعات الدولة في هذا القطاع، حيث جرى افتتاح أربعة مجمعات أخرى للإنتاج الحيواني بالنوبارية، بإجمالي طاقة استيعابية تصل إلى 40 ألف رأس ماشية، في إطار رؤية شاملة تستهدف تحقيق التكامل بين مشروعات الإنتاج الزراعي، ومصانع الأعلاف، ومشروعات الإنتاج الحيواني، ومصانع منتجات الألبان.

هذا التكامل يسهم في خفض تكلفة الإنتاج، وتعظيم العائد من الاستثمارات المتاحة، وضمان استدامة المشروعات وقدرتها على الاستمرار والتوسع.
فرص عمل
وقد أسهمت المشروعات التي جرى تنفيذها وافتتاحها في توفير أكثر من 4200 فرصة عمل مباشرة جديدة للشباب، في مختلف التخصصات ومستويات التأهيل العلمي، ما يعكس الدور الاجتماعي للمشروع، وإسهامه في دعم التنمية المحلية ورفع مستوى المعيشة.
الأمن الغذائي عنوان المرحلة
يعكس مجمع الإنتاج الحيواني بمدينة يوسف الصديق بالفيوم فلسفة الدولة المصرية في التعامل مع ملف الأمن الغذائي، باعتباره أحد ركائز الأمن القومي، وملفًا لا يقبل الحلول الجزئية أو المؤقتة، بل يتطلب تخطيطًا علميًا، وتنفيذًا متكاملًا، واستثمارات طويلة الأجل.

نموذج للتنمية المستدامة
وفي النهاية ففي مدينة يوسف الصديق، لا يقف المشروع عند حدود إنتاج اللحوم، بل يتجاوز ذلك ليقدم نموذجًا متكاملًا للتنمية المستدامة، يجمع بين الإنتاج، والتصنيع، والبحث العلمي، وفرص العمل، وضبط الأسواق.
إنه نموذج يعكس كيف يمكن للمشروعات القومية أن تتحول من أرقام على الورق إلى واقع ملموس يعزز أمن الوطن الغذائي، ويضع المواطن في قلب معادلة التنمية.



