تعريفات ترامب الجمركية تربك التجارة العالمية… هل تقود سياسة «أمريكا أولاً» إلى عزلة اقتصادية؟
أثار التوسع الواسع في التعريفات الجمركية التي أقرّها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال السنة الأولى من ولايته الثانية جدلاً واسعاً في الأوساط الاقتصادية، وسط تحذيرات من أن هذه السياسات، وإن لم تُحدث صدمة فورية، قد تُحدث تآكلاً بطيئاً في أسس التجارة العالمية، بما يعيد إلى الأذهان أسوأ فصول الحمائية الاقتصادية في التاريخ الحديث.
سياسة تجارية «تنخر» الاقتصاد العالمي
يشبّه عدد من الاقتصاديين التعريفات الجمركية الترامبية بـ«الديدان التي تنخر في خشب التجارة العالمية»، في إشارة إلى تأثيرها التراكمي البطيء. فبدلاً من تحفيز النمو، أسهمت هذه السياسات في رفع التكاليف، وإرباك سلاسل الإمداد الدولية، وتقويض الاستقرار التجاري على المدى المتوسط والبعيد.
تجاوز الاتفاقيات وعودة شبح «سموت–هاولي»
لم تقتصر هذه التعريفات على مخالفة اتفاقيات دولية، أبرزها اتفاقية التجارة الحرة بين الولايات المتحدة والمكسيك وكندا، بل تجاوزت في نطاقها وحدّتها تعريفات «سموت–هاولي» التي فُرضت في ثلاثينيات القرن الماضي خلال الكساد الكبير، والتي يُجمع المؤرخون الاقتصاديون على أنها عمّقت الأزمة آنذاك.
من «يوم التحرير» إلى أعلى تعريفات منذ قرن
بدأت موجة التعريفات في أبريل 2025 مع إعلان ما سُمّي «يوم التحرير»، لترتفع متوسط التعريفات الفعلية على الواردات الأمريكية إلى 18%، وهو أعلى مستوى منذ ثلاثينيات القرن الماضي.
وشملت الإجراءات فرض رسوم وصلت إلى 25% على المكسيك وكندا، و60% على الصين، و10–20% على دول أخرى، إضافة إلى تهديدات بفرض تعريفات تصل إلى 100% على دول تُتهم بتهديد هيمنة الدولار، مثل مجموعة «البريكس».
عدم يقين اقتصادي وضغوط داخلية
ترى تحليلات اقتصادية أن هذه السياسات لا تستند إلى منطق اقتصادي مستقر، بل تقوم على قرارات مفاجئة ومتقلبة، ما خلق حالة من عدم اليقين في الأسواق العالمية، وجعل آثارها تتسلل تدريجياً إلى بنية التجارة الدولية.
وأظهرت الوقائع أن الإدارة الأمريكية اضطرت إلى تأجيل بعض التعريفات في مارس 2025، وإلغاء أخرى في نوفمبر من العام نفسه، تحت وطأة ارتفاع أسعار السلع الغذائية وتصاعد الضغوط الداخلية.
تضخم متصاعد ونمو متباطئ
ورغم عدم حدوث انهيار اقتصادي فوري، بدأت آثار التعريفات تظهر تدريجياً، حيث امتص المستوردون جزءاً كبيراً من الكلفة، فيما سارعت الشركات إلى الاستيراد المسبق لتفادي الرسوم. ومع ذلك، ارتفعت أسعار السلع المستوردة بنسبة 5.4% منذ أبريل 2025، ما انعكس بزيادة قدرها 0.7 نقطة مئوية في تضخم أسعار المستهلك.
إيرادات حكومية مقابل خسائر أوسع
وتهدف هذه السياسات، وفق الخطاب الرسمي، إلى تقليص العجز التجاري وتعزيز التصنيع المحلي وجذب الاستثمارات. غير أن بيانات صادرة عن مؤسسات اقتصادية دولية أظهرت نتائج مزدوجة، تمثلت في زيادة الإيرادات الحكومية مقابل تباطؤ النمو الاقتصادي، وارتفاع معدلات التضخم، وخسارة وظائف في قطاعات متأثرة بالتجارة الخارجية.
تآكل الثقة بالنظام التجاري العالمي
في المقابل، أدت التعريفات الأمريكية إلى ردود انتقامية من شركاء تجاريين رئيسيين، من بينهم الصين والمكسيك وكندا، ما أسهم في تقليص حجم التجارة العالمية بنحو 5%، وفق تقديرات اقتصادية.
كما حذّرت تحليلات من أن التهديد بفرض تعريفات مرتفعة على دول «البريكس» قد يسرّع التحول نحو بدائل للدولار في الاحتياطيات العالمية، مثل اليوان أو الذهب، بما يشكل تحدياً مباشراً لمكانة العملة الأمريكية.
تداعيات مؤجلة وانتخابات حاسمة
وتشير التوقعات إلى أن التأثيرات السلبية الأوسع لهذه السياسات قد تظهر بشكل أوضح في عام 2026، مع نفاد المخزونات، وارتفاع التضخم، وزيادة عمليات التسريح.
وفي الداخل الأمريكي، واجهت سياسات ترامب التجارية انتقادات متزايدة، بما في ذلك من داخل الحزب الجمهوري، باعتبارها خروجاً عن تقاليد التجارة الحرة، وسط مخاوف من أن تؤدي إلى ركود أعمق إذا لم يتم التراجع عنها.


