رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

شحاتة زكريا يكتب.. نائب عن المواطن أم عن الدائرة فقط؟

شحاتة زكريا
شحاتة زكريا

مع كل دورة برلمانية جديدة يعود سؤال قديم بثوب أكثر إلحاحًا: هل النائب نائب عن المواطن بمعناه الشامل أم ممثل لدائرته فقط في حدود الخدمات والطلبات؟ سؤال يبدو بسيطًا في صياغته، لكنه في جوهره يمس فلسفة التمثيل النيابي وحدود الدور السياسي ومعنى المسؤولية تحت قبة البرلمان.

البرلمان في الأصل ليس مجلس خدمات ولا مكتب شكاوى موسعًا، بل مؤسسة تشريعية ورقابية تمثل الضمير العام للأمة. النائب لا يُنتخب ليكون وسيطًا بين المواطن والموظف، ولا ليتحول إلى ساعي مصالح فردية مهما كانت مشروعيتها، بل ليشارك في صناعة القوانين التي تنظم حياة الجميع وتحقق العدالة وتحفظ التوازن بين الدولة والمجتمع. هنا يبرز التناقض الصامت بين ما ينتظره المواطن وما يمارسه بعض النواب. كثير من النواب يدخلون البرلمان وهم محملون بتوقعات الدائرة: رصف طريق، تعيين شاب، توصيل خدمة، حل أزمة محلية.

هذه المطالب حقيقية ومشروعة ولا يمكن إنكارها، لكنها لا يجوز أن تختزل الدور النيابي.

الخطر يبدأ عندما تصبح الدائرة هي الأفق الوحيد، وتتحول الوطنية إلى مساحة جغرافية ضيقة، ويُقاس النجاح بعدد الطلبات المنجزة لا بمواقف التشريع أو الرقابة.

النائب الذي يحصر نفسه داخل حدود دائرته فقط قد ينجح انتخابيًا على المدى القصير، لكنه يفشل سياسيًا على المدى البعيد؛ لأن القوانين لا تُفصل على مقاس حي أو قرية، ولأن القرار التشريعي الخاطئ في ملف اقتصادي أو اجتماعي أو تعليمي قد يضر بالدائرة نفسها قبل غيرها.

الدفاع الحقيقي عن الدائرة لا يكون بتجاهل القضايا العامة، بل بالمشاركة الواعية في صياغة السياسات الكبرى.

في المقابل، هناك من يرفع شعار النائب الوطني لكنه ينفصل عن هموم الناس، يتحدث بلغة نظرية لا تجد صدى في الشارع، ويكتفي بالخطابة دون متابعة. 

وهذا تطرف معاكس لا يقل خطورة؛ فالنائب الذي لا يسمع نبض دائرته يفقد شرعيته المعنوية مهما كانت ثقافته أو وطنيته المعلنة. المعادلة الصحيحة ليست في الاختيار بين المواطن والدائرة، بل في الجمع بينهما دون تناقض.

التمثيل النيابي الحقيقي يقوم على فهم أن الدائرة جزء من الوطن، وأن مصلحة المواطن المحلي لا تنفصل عن المصلحة العامة. النائب الواعي هو من يدرك أن تحسين التعليم أو ضبط الأسعار أو إصلاح منظومة الصحة يخدم دائرته أكثر من أي طلب فردي.

وهو من يملك الشجاعة ليقول للناخب: دوري ليس فقط أن أطلب لك خدمة، بل أن أحمي حقك بقانون عادل ورقابة حقيقية وموقف مسؤول.

المشكلة ليست في النصوص الدستورية ولا في اللوائح، بل في الثقافة السياسية السائدة؛ ثقافة اختزلت النائب في الخادم، والمواطن في طالب الخدمة، والبرلمان في ساحة وعود. 

هذه الثقافة أضعفت هيبة التشريع وفتحت الباب أمام الشعبوية، وأفرغت العمل النيابي من معناه الحقيقي. 

الإصلاح يبدأ عندما نعيد تعريف الدور ونصارح أنفسنا قبل أن نلوم غيرنا.

نحن بحاجة إلى نائب يمتلك رؤية لا مجرد شبكة علاقات؛ نائب يعرف أن الصمت في لحظة تشريع خطير جريمة سياسية، وأن المجاملة على حساب المصلحة العامة خيانة للأمانة، وأن الدفاع عن الدولة لا يتعارض مع الدفاع عن المواطن، بل يلتقيان عند نقطة واحدة: العدالة.

السؤال إذن ليس اتهامًا بقدر ما هو دعوة للمراجعة: نائب عن المواطن أم عن الدائرة فقط؟ والإجابة لا تُكتب في البرامج الانتخابية، بل تُثبت في المواقف وتُختبر تحت القبة وتُحاسب أمام التاريخ؛ لأن البرلمان القوي لا تصنعه كثرة المقاعد، بل جودة من يجلسون عليها وصدق من يتحدثون باسم الناس لا باسم مصالح اللحظة.

تم نسخ الرابط