مي المرسي تكتب: لماذا انشغلنا بـ "إطلالة" النائبة وتجاهلنا "سقوط" المعارضة؟
لأول مرة في تاريخ البرلمان المصري الحديث، حفرت الجلسة الافتتاحية مشهدًا استثنائيًا في ذاكرة السياسة؛ ثلاث نائبات يعتلين المنصة لإدارة المشهد التشريعي، في حضور نسائي كسر حاجز الـ 25% للمرة الأولى، لكن، وبعيدًا عن لغة الأرقام ودلالات التمكين، كانت منصات التواصل الاجتماعي ترسم واقعًا مغايرًا تمامًا؛ حيث انحرف اهتمام الجمهور عن وزن الأداء وقوة الدبلوماسية البرلمانية، ليغرق في فخ “التشييء البصري”، إذ تحولت المنصة في عيون “التريند” من ساحة لصناعة القرار إلى ممر لعروض الأزياء، حيث اختُزل الحضور السياسي للنائبات في تفاصيل الهامش؛ لون “الرُوج”، وتصفيفة الشعر، وأناقة الثياب، لتُحاصر المرأة المصرية مرة أخرى داخل “كادر” المظهر، بينما كان يُفترض أن يُحتفى بها كشريك كامل في صياغة مصير الوطن.
الجسد بوصفه "تريند"
لقد غصّ "التايم لاين" بتعليقات عكست فضول المجتمع، لكنها في جوهرها كانت محاولة لا واعية لـ "حبس" المرأة داخل حدود جسدها، بينما كانت المطرقة في يد النائبات تدقُّ إعلانًا عن حقبة تشريعية جديدة، كان الفضاء الرقمي يُشيّء (Objectification) هذا الحضور، مختزلًا المرأة في "صوت جميل" أو "إطلالة أنيقة"، هذا الانشغال البصري لم يكن مجرد إعجاب عابر، بل هو وسيلة لممارسة رقابة اجتماعية ناعمة، توحي بأن مكان المرأة على المنصة هو مكان "جمالي" لا "سيادي"، وكأن الحضور الأنثوي مجرد ديكور سياسي يُراد به تجميل المشهد أمام العالم، لا تغيير موازين القوى في الداخل.
ما سكت عنه "التايم لاين"
المثير للدهشة، هو ذلك الصمت المطبق عما وراء الصورة؛ فبينما انشغل الناس بتحليل "الروج"، غابت عن النقاش آمال المعارضة التي تكسرت على أعتاب المنصة، وعجزت عن تقديم مرشح لرئاسة البرلمان رغم كتلها التي كان يُعول عليها، لم يتحدث أحد عن دلالة "أطول انتخابات برلمانية" في تاريخ مصر المعاصر، وما أفرزته من جدل قانوني وسياسي واسع، بل ابتلع لمعان الصور كل تلك الملفات الشائكة، لقد نجحت "البروباجندا البصرية" في صرف الانتباه عن الجوهر السياسي؛ فصارت القشرة أهم من اللب، وأصبح "التايم لاين" شريكًا في تغييب القضايا التي تمس صلب العملية الديمقراطية.
قلق السياسة وسؤال السلطة الفعلية
في المقابل، وجدت بعض الجماعات السياسية في هذا المشهد مصدر قلق، ليس خوفًا من التشريع، بل من "الرمزية"، فكرة أن امرأة تترأس الجلسة كانت تكفي لإعادة إنتاج الصورة النمطية القديمة بأن "النساء لا يصلحن للقرار"، وأن المنصة لا تزال خارج حدود السلطة الفعلية.
الحقيقة أن هذا القلق ـ معطوفا على استهلاك السوشيال ميديا للمرأة كجسد- يعكس فجوة عميقة بين الوجود الرمزي للمرأة كصورة وبين الوجود الفعلي كصانعة قرار. إن الوصول للمنصة ليس نهاية الطريق، بل هو بداية مواجهة مع مجتمع يقبل المرأة "مذيعة للجلسة" ويرفضها "قائدة للسياسة".
والسؤال هل نخرج من المصيدة؟ المشهد يؤكد درسًا واضحًا حتى عندما تُمنح المرأة السلطة رسميا، يظل الحكم على قدراتها في كثير من الأحيان مقياسًا بصريًا قبل أن يكون عمليًا التحدي الحقيقي أمام النسوية المصرية اليوم ليس في زيادة المقاعد، بل في كسر "عدسة" المجتمع التي لا ترى تحت القبة إلا لون الثياب، ما يراه التايم لاين اليوم قد يصبح تحديًا للغد، حين يُقاس حضور المرأة بوزن تعديلاتها التشريعية وقوة معارضتها، وليس بصورتها التي يوزعها "التريند" كوجبة استهلاكية سريعة تنتهي بانتهاء مدة الجلسة.