ديون فنزويلا العالقة.. صراع الصناديق الانتهازية والقوى العظمى على "إرث" الدولة المُفلسة
فتحت الإطاحة بالرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو أبواب الجحيم المالي على الدولة النفطية، مسلطةً الضوء على واحدة من أضخم أزمات الديون السيادية غير المحسومة في العالم، ومع بزوغ فجر سياسي جديد، تتجه الأنظار نحو كراكاس التي تعاني من تراكم ديون خارجية فلكية تتراوح ما بين 150 إلى 170 مليار دولار، في وقت يبلغ فيه الناتج المحلي الإجمالي للبلاد نحو 82.8 مليار دولار فقط لعام 2025، ما يعني أن نسبة الدين إلى الناتج المحلي تجاوزت حاجز الـ 200%.
سباق الدائنين وسندات "الفرصة الأخيرة"
منذ تخلف فنزويلا عن السداد في أواخر عام 2017، تحولت سندات الحكومة وشركة النفط الوطنية (بي دي في إس إيه) إلى ملاذ للمضاربين و"الصناديق الانتهازية"، ومع عودة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للسلطة في يناير 2025، راهنت الأسواق على تغيير سياسي وشيك، مما دفع أسعار السندات المتعثرة للارتفاع لتتداول حاليا بين 27 إلى 32 سنتا على الدولار، ويصطف الآن طابور طويل من الدائنين، يتقدمهم حاملو السندات الدوليون، بجانب قوى عظمى مثل الصين وروسيا اللتين قدمتا قروضا بمليارات الدولارات خلال العقدين الماضيين.
سيتجو.. الجوهرة العالقة في المحاكم الأمريكية
وتعد شركة "سيتجو" (Citgo) للتكرير، المقيمة في الولايات المتحدة والمملوكة لفنزويلا، "جائزة الكبرى" التي يتصارع عليها الدائنون، فبينما كانت حصة الأغلبية فيها ضمانة لسندات عام 2020، تلاحقها الآن أحكام قضائية بمليارات الدولارات لصالح شركات مثل "كونوكو فيليبس" و"كريستاليكس" تعويضا عن مصادرة أصولها سابقًا، وتكشف بيانات محكمة في ولاية ديلاوير عن مطالبات تصل إلى 19 مليار دولار على الشركة الأم لـ "سيتجو"، وهو رقم يتجاوز بكثير القيمة التقديرية لإجمالي أصول الشركة، مما يجعل عملية التوزيع معركة قانونية معقدة.

إعادة الهيكلة.. طريق شائك تحت الوصاية الأمريكية
يؤكد المحللون أن إعادة هيكلة الديون الفنزويلية ستكون عملية ماراثونية وشديدة التعقيد؛ إذ تتطلب العودة إلى مظلة صندوق النقد الدولي لتحديد القدرة على تحمل الديون، وهو أمر لم يحدث منذ نحو عقدين، وتبرز العقوبات الأمريكية كعقبة رئيسية، حيث تمنع القوانين الحالية إصدار ديون جديدة أو إعادة جدولة القديمة دون تراخيص مباشرة من وزارة الخزانة، وفي ظل تصريحات الرئيس ترامب بأن الولايات المتحدة "ستدير" الدولة المنتجة للنفط، يبقى الغموض سيد الموقف حول مصير هذه القيود.
النفط.. الملاذ الوحيد للاسترداد
وتستند آمال الدائنين في استرداد أموالهم إلى "واقع قاتم" وانكماش اقتصادي مروع، حيث لا يلوح في الأفق سوى إنتاج النفط المتهالك كطوق نجاة. وتتوقع "سيتي جروب" ضرورة خفض قيمة الدين الأساسي بنسبة لا تقل عن 50% لاستعادة التوازن المالي، مع طرح سندات طويلة الأجل مرتبطة بالنفط كأدوات تعويض، وفي حين تظل "شيفرون" الأمريكية اللاعب الوحيد حالياً في الحقول الفنزويلية، فإن دعوات ترامب لشركات النفط الأمريكية للاستثمار واستعادة الإنتاج تمثل بصيص أمل قد يرفع نسب الاسترداد إلى مستويات تتراوح بين 40 و49 سنتا على الدولار في أفضل السيناريوهات.