حكاية إنقاذ تهزّ السويس.. ماذا حدث داخل سيارة الإسعاف؟
في لحظةٍ بدت فيها الحياة وكأنها قد أغلقت أبوابها، كانت السويس على موعد مع حكاية إنسانية تُعيد تعريف الأمل، وتكشف المعنى الحقيقي لكلمة «واجب»؛ حكاية بدأت بجسدٍ ساكن، وانتهت بنبضةٍ عادت من حافة الغياب.
«خلاص… هي ماتت، مش عايزين نبهدلها»؛ بهذه العبارة الموجزة، استقبل أهلُ شابة في العقد الثالث من عمرها رجالَ الإسعاف المصري، وهم يهمّون بفحصها بعد أن غابت عن جسدها كل مؤشرات الحياة.
كلماتٌ خرجت من قلبٍ مفجوع، لكنها في الوقت ذاته عكست استسلامًا مبكرًا لفكرة النهاية؛ غير أن رجال الإسعاف لا يعرفون الاستسلام، ولا يعترفون بالنهايات ما دام هناك خيطٌ رفيع، ولو بنسبة واحد في المئة، يمكن أن يقود إلى النجاة.
أزمة قلبية حادة
كانت البداية باستغاثةٍ عاجلة وردت إلى غرفة القيادة والتحكم بمحافظة السويس، عبر الخط الساخن 123، بعد منتصف الليل مباشرة؛ البلاغ أفاد بتعرض سيدة لأزمة قلبية حادة.
لم تمر سوى دقائق حتى انطلقت سيارة الإسعاف رقم 3118، وعلى متنها المسعف أحمد وهدان، وفني القيادة هلال أحمد، يشقان سكون الليل نحو عنوان البلاغ؛ ست دقائق فقط حتى الوصل، تلك الدقائق تبدو قليلة ولكنها في عالم الطوارئ قد تعني الفارق بين الحياة والموت.
وفي عقارٍ مكوَّن من ستة طوابق، بلا مصعد، بدأت الرحلة الأصعب؛ حمل رجال الإسعاف معداتهم وصعدوا مسرعين، درجات السلم كانت ثقيلة، لكن الوقت أثقل؛ عند دخول الشقة، كان المشهد قاسيًا: جسدٌ ممدد، بلا نبض، بلا تنفس، وبلا أي علامة تشير إلى حياة؛ الأهل أحاطوا بالمشهد في صمتٍ مشوب بالذهول، وقد تهيأوا نفسيًا للحظة الفقد.
لكن أحمد وهدان لم يتوقف ليسمع اليأس؛ لم يناقش، لم يتردد، انحنى فورًا ليبدأ إجراءات الإنعاش القلبي الرئوي، موصلًا جهاز الصدمات الكهربائية الآلية (AED) بجسد الشابة؛ فيما كان زميله هلال سارع بمساعدته، صوت الجهاز اخترق الصمت مطالبًا الجميع بالابتعاد، صدمة كهربائية أولى… ثم ضغطات صدرية متواصلة، لا تعرف التوقف.

دعمًا إضافيًا
لم تمضِ لحظات حتى أعلن الجهاز عن صدمة ثانية، الإرهاق بدأ يتسلل إلى الذراعين، لكن الإصرار كان أقوى، في تلك الأثناء، طلب هلال دعمًا إضافيًا، فكانت سيارة الإسعاف رقم 1564 في الطريق، بقيادة محمد السيد وصابر عبد الله.
حين وصلت سيارة الدعم، كان أحمد وهدان قد استنزف قواه، لكن قلبه ظل معلقًا بجسد الفتاة، تناوب الزملاء على الإنعاش، وبدأ التحدي الأصعب: نقل المريضة من الطابق السادس، مع الحفاظ على استمرار الإنعاش وفتح مجرى الهواء، درجات السلم تحولت إلى اختبار حقيقي للإنسان قبل المهني، لكن الفريق اجتازه بثبات.
داخل سيارة الإسعاف، استمرت المعركة بلا انقطاع، صفير الأجهزة، ضغطات الصدر، أنفاس محسوبة، وأعين لا تفارق شاشة الحياة، عند الوصول إلى مستشفى المجمع الطبي بالسويس، اندفع الفريق الطبي لاستقبال الحالة، فيما واصل أحمد وهدان الإنعاش وكأن الزمن قد توقف عند تلك اللحظة، ثم الصدمة الثالثة، ثوانٍ حبست الأنفاس، قبل أن يعلن الأطباء الخبر الذي غيّر كل شيء: عودة النبض.
نبضة تبدد سكون الموت
نبضة صغيرة، لكنها كانت كافية لتعيد الحياة، وتبدد سكون الموت، هرع الفريق الطبي لنقل الفتاة إلى العناية المركزة، بينما انهارت الأسرة بين دموع الفرح والذهول، غير مصدقين أن ما ظنوه نهاية كان في الحقيقة بداية جديدة.
في تلك الليلة، لم تُنقذ شابة فقط، بل أُنقذت فكرة؛ فكرة أن الأمل لا يموت طالما هناك من يتمسك به، وأن خلف صفارات الإسعاف وجوهًا بشرية تحمل قلوبًا لا تعرف اليأس، كان نصيب أحمد وهدان ورفاقه كلمات شكر، ودعوات صادقة خرجت من قلوبٍ عرفت معنى الحياة حين كادت تفقدها.
هكذا، كتبت السويس فصلًا جديدًا من حكايات الرحمة؛ حكاية تثبت أن بين الحياة والموت، يقف أبطال صامتون، لا يبحثون عن مجد، بل عن نبضة.



