غزة 2025 بين حربٍ مستمرة واتفاقات هشة وصراع مفتوح على مستقبل القطاع
اختتم الفلسطينيون عام 2025 على وقع اتفاق جديد لوقف إطلاق النار، يُفترض أن يضع حدًا للحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، التي دخلت عامها الثاني منذ هجوم السابع من أكتوبر 2023. وبينما حمل الاتفاق الأخير آمالًا حذرة بإنهاء القتال، ظل المشهد في غزة عالقًا بين حرب مفتوحة لم تُغلق ملفاتها بعد، و«حلم تسوية» تحيط به تحديات سياسية وأمنية وإنسانية معقدة.
ثلاثة اتفاقات وواقع هش
الاتفاق الأخير، المبني على خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، هو الثالث منذ اندلاع الحرب، والثاني خلال عام 2025. وعلى عكس الاتفاقين السابقين، جاء مصحوبًا بزخم دولي أكبر للدفع نحو إنهاء الحرب، خصوصًا بعد اقتراب ملف الرهائن الإسرائيليين من الإغلاق الكامل، باستثناء جثة واحدة ما تزال الفصائل الفلسطينية تبحث عنها.
وكان أول اتفاق قد دخل حيز التنفيذ في يناير 2025، لكنه انهار في مارس بعد تعثر استكمال مراحله، لتستأنف إسرائيل عملياتها العسكرية وتشدد حصارها على القطاع، وصولًا إلى اتفاق ثانٍ في أكتوبر، أنهى جزئيًا حالة المجاعة، لكنه ترك ملفات مصيرية دون حسم.

أرقام كارثية وخسائر مرعبة
شهد عام 2025 وحده إستشهاد نحو 25,400 فلسطيني، من إجمالي يقارب 71 ألف شهيد منذ بدء الحرب، فيما أُصيب قرابة 63 ألف فلسطيني خلال العام، من أصل نحو 171 ألف مصاب، وفق إحصاءات وزارة الصحة الفلسطينية.
وما يزال نحو 9,500 فلسطيني في عداد المفقودين، يُرجّح أن عددًا كبيرًا منهم تحت الأنقاض، في ظل عجز فرق الإنقاذ عن انتشالهم.
وبحسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، فإن 18,500 مريض وجريح، بينهم أكثر من 4 آلاف طفل، بحاجة ماسة إلى إجلاء طبي، في وقت لم يُسمح فيه إلا بإجلاء أعداد محدودة منذ بدء وقف إطلاق النار.
دمار واسع وأزمة نزوح خانقة
أظهرت بيانات رسمية أن الجيش الإسرائيلي دمّر خلال 2025 نحو 139 ألف وحدة سكنية تدميرًا كليًا، وأكثر من 118 ألف وحدة تدميرًا جزئيًا أو بالغًا. ونتيجة لذلك، ما يزال نحو 1.9 مليون فلسطيني نازحين، بينهم 1.28 مليون بحاجة عاجلة إلى مأوى، في ظل مخاطر إضافية تهدد مئات الآلاف مع حلول فصل الشتاء.
اتفاق يناير 2025 وتبادل الأسرى
دخل اتفاق يناير حيز التنفيذ في 19 يناير واستمر حتى 18 مارس، وأفرجت خلاله حركة حماس عن 33 رهينة إسرائيلية، بينهم نساء ومدنيون، إضافة إلى جثامين قتلى.
في المقابل، أفرجت إسرائيل عن 1,777 أسيرًا فلسطينيًا، بينهم محكومون بالمؤبد، ونساء وأطفال، كما سمحت بدخول آلاف الشاحنات المحملة بالمواد الغذائية بعد أشهر من الإغلاق المشدد.

“حلم العودة” وصدمة الدمار
وفي 27 يناير، سمحت إسرائيل لمئات الآلاف من النازحين بالعودة إلى شمال قطاع غزة. اندفع الفلسطينيون سيرًا على الأقدام نحو بيوتهم، لكنهم صُدموا بحجم الدمار، حيث مُسحت أحياء كاملة من الخريطة، لتتحول فرحة العودة إلى مواجهة قاسية مع واقع الخراب.
مشروع “ريفييرا غزة” والرفض العربي
في فبراير 2025، طرح الرئيس ترامب مشروع “ريفييرا غزة”، القائم على إفراغ القطاع من سكانه وتحويله إلى وجهة سياحية عالمية. وقوبل المشروع برفض فلسطيني وعربي قاطع، وسط تحذيرات من مخطط تهجير قسري دائم.
انهيار الاتفاق واستئناف الحرب
في 18 مارس، انهار اتفاق وقف إطلاق النار، بعد إغلاق إسرائيل للمعابر واستئناف القصف الجوي والاغتيالات. وأسفرت الضربات الأولى عن اغتيال قيادات بارزة في حركة حماس، ما أعاد القطاع إلى دائرة الحرب الشاملة.
عربات جدعون
أطلقت إسرائيل في مايو عملية “عربات جدعون” للسيطرة على شمال القطاع، تلتها في أغسطس عملية “عربات جدعون 2”، التي اعتمدت على تدمير واسع باستخدام وسائل عسكرية متقدمة. وخلالها دُمّرت أحياء كاملة في مدينة غزة وشمالها، قبل أن تتوقف العملية مع توقيع اتفاق أكتوبر.
المجاعة… الوجه الأشد قسوة
بلغت أزمة الغذاء ذروتها في منتصف 2025، وسُجلت 463 حالة وفاة بسبب المجاعة وسوء التغذية، بينهم 157 طفلًا. وأدى ذلك إلى تدخل دولي عبر إسقاط مساعدات جوية، وسط اتهامات لإسرائيل بإدارة سياسة تجويع ممنهجة.
اتفاق أكتوبر وقضايا لم تُحسم
دخل اتفاق أكتوبر حيز التنفيذ في 11 من الشهر ذاته، وأفرجت حماس بموجبه عن 20 رهينة أحياء، بينما أفرجت إسرائيل عن آلاف الأسرى. غير أن الاتفاق واجه عراقيل مبكرة، أبرزها ملف الجثامين، وحدود الانسحاب الإسرائيلي.

الخروقات الإسرائيلية لوقف اطلاق النار
واصلت إسرائيل خروقات اتفاق وقف إطلاق النار في غزة منذ 11 أكتوبر 2025، حيث وثّق المكتب الإعلامي الحكومي 875 انتهاكًا، شملت عمليات قصف جوي ومدفعي، نسف منازل، وإطلاق نار مباشر. أسفرت الانتهاكات عن إستشهاد411 فلسطينيًا وإصابة 1112 آخرين، إضافة إلى 45 حالة اعتقال. وتتهم الجهات الفلسطينية الجيش الإسرائيلي باستخدام «الخط الأصفر» لتوسيع رقعة العمليات وفرض وقائع جديدة، ما يهدد استمرارية الاتفاق ويفاقم الوضع الإنساني المتردي.
ما بعد الحرب… أسئلة بلا إجابات
ومع اقتراب 2026، تبقى قضايا «اليوم التالي» للحرب عالقة، من إعادة الإعمار، وتشكيل إدارة انتقالية، ونشر قوة دولية، إلى الخلاف الجوهري حول سلاح الفصائل وحدود السيطرة الإسرائيلية. وبينما يعيش سكان غزة هدنة هشة، يظل السؤال مفتوحًا: هل كان 2025 عام الاقتراب من السلام، أم محطة جديدة في حرب لم تنتهِ بعد؟