ياسمين عبده تكتب: إعادة بعد إعادة.. أخطر اختبار انتخابي في تاريخ مصر ؟
ما يحدث في المشهد الانتخابي المصري لم يعد مجرد ارتباك إداري، ولا سلسلة طعون عابرة، بل حالة سياسية كاملة تتشكل أمام أعيننا، عنوانها الأوضح: زلزال انتخابي يضرب فكرة “الشرعية” قبل أن يجف حبر النتائج. للمرة الأولى في تاريخ البرلمان المصري الحديث، تتكرر إعادة الانتخابات بهذا الاتساع، وتُلغى نتائج عشرات الدوائر دفعة واحدة، في مشهد يطرح سؤالًا أخطر من أسماء الفائزين والخاسرين: هل النظام الانتخابي نفسه بات عاجزًا عن إنتاج برلمان مستقر من أول محاولة؟
إلغاء نتائج هذا العدد الكبير من الدوائر لا يمكن قراءته كخطأ تقني، ولا كاجتهاد قضائي منفصل عن السياق. نحن أمام مؤشر سياسي صريح على خلل بنيوي في آلية إدارة الانتخابات، خلل يتجاوز الصندوق ليطال تصميم القوائم، وطبيعة المنافسة، وحدود العدالة بين المرشحين، بل وحدود المعرفة نفسها لدى الناخب. إعادة الانتخابات مرة قد تُفهم، مرتين قد تُبرَّر، لكن حين تتحول الإعادة إلى نمط متكرر، فنحن أمام أزمة ثقة لا أزمة إجراءات.
الأخطر في المشهد أن “القوائم” – التي قُدِّمت يومًا باعتبارها أداة تنظيم سياسي وتوسيع تمثيل – تحولت عمليًا إلى أحد أكثر مصادر الجدل والارتباك. القوائم المغلقة المطلقة، بصيغتها الحالية، لا تتيح للناخب معرفة حقيقية بمن يصوّت لهم، ولا تمنحه فرصة محاسبة فردية، ولا تسمح بتصحيح الاختيارات داخل القائمة نفسها. يصوّت المواطن على ورقة، لا على أشخاص، وعلى تركيبة مغلقة لا يعرف كيف تشكلت ولا على أي أساس وُضعت الأسماء داخلها. وهنا يصبح السؤال مشروعًا: كيف نطلب من ناخب أن يمنح شرعية كاملة لبرلمان لا يعرف نصف أعضائه إلا بعد إعلان النتيجة؟
هذا الغموض البنيوي في القوائم يتقاطع مع واقع سياسي أكثر تعقيدًا: منافسة غير متكافئة، تفاوت في الإمكانات، ومرشحون يجدون أنفسهم خارج السباق قبل أن يبدأ، لا لضعفهم، بل لطبيعة النظام نفسه. ومع كل طعن يُقبل، وكل دائرة تُعاد، يتآكل الإحساس العام بأن ما جرى كان تعبيرًا نقيًا عن الإرادة الشعبية. القضاء يقوم بدوره الدستوري، لكن كثافة التدخل القضائي هنا ليست علامة صحة، بل علامة إنذار.
الحديث عن إعادة الانتخابات لا يمكن فصله عن أثره السياسي والنفسي على الشارع. الناخب الذي ذهب إلى الصندوق مرة، ثم طُلب منه أن يعود، ثم يسمع أن الإعادة قد تتكرر، يبدأ – طبيعيًا – في التساؤل: هل صوتي مؤثر فعلًا؟ أم أن اللعبة تُدار في مكان آخر؟ ومع كل دورة إعادة، تتراجع نسب المشاركة، لا لأن المواطن لا يهتم، بل لأنه يشعر أن صوته معلق في فراغ إجرائي لا نهاية له.
ثم هناك الكلفة السياسية الأعمق: برلمان يبدأ حياته مثقلاً بالطعون، ومحاطًا بالشكوك، ومولودًا من رحم الإعادة لا الاختيار الأول، سيكون برلمانًا ضعيف الظهير الشعبي مهما حسنت نواياه. الشرعية لا تُبنى فقط بالقانون، بل بالإحساس العام بالعدالة والوضوح واليقين. وعندما تهتز هذه الثلاثية، يصبح البرلمان – قبل أن يناقش القوانين – مطالبًا بالدفاع عن سبب وجوده.
المفارقة أن الدولة في لحظة إقليمية شديدة الاضطراب، والمنطقة تعيش على حافة انفجارات سياسية وأمنية متلاحقة، تحتاج إلى مؤسسة تشريعية قوية، واضحة، محصّنة بثقة الناس، لا إلى برلمان يبدأ رحلته وهو يشرح للشارع لماذا أُعيد انتخابه، ولماذا أُلغيت نتائجه، ولماذا تغيّر الفائزون قبل أن يؤدوا اليمين.
المشكلة هنا ليست في إعادة الانتخابات كإجراء دستوري مشروع، بل في تحوّلها إلى نتيجة متوقعة سلفًا. حين نصل إلى مرحلة يتعامل فيها الفاعلون السياسيون مع الإعادة باعتبارها “مرحلة طبيعية”، نكون قد اعترفنا ضمنيًا بأن النظام الانتخابي لا يعمل من المرة الأولى. وهذا اعتراف خطير، لأنه يفتح الباب لتساؤلات أكبر: هل نحتاج إلى مراجعة جذرية لنظام القوائم؟ هل نحتاج إلى إعادة النظر في تقسيم الدوائر؟ هل نحتاج إلى شفافية أوسع في إدارة العملية من بدايتها لا من نهايتها؟
ما يحدث الآن ليس معركة بين مرشحين، ولا صراع أحزاب، بل اختبار حقيقي لقدرة الدولة على إنتاج شرعية مستقرة في زمن مضطرب. اختبار لا يحتمل الإنكار ولا التجميل، لأن كل إعادة جديدة تضعف الثقة خطوة إضافية، وكل دائرة تُلغى تطرح سؤالًا جديدًا عن جدوى الشكل الحالي للعملية برمتها.
البرلمان ليس مبنى ولا مقاعد ولا لوائح، البرلمان فكرة. فكرة أن الشعب اختار، وأن اختياره احترم، وأن النتيجة خرجت واضحة من الصندوق إلى الواقع. فإذا تكسرت هذه الفكرة بين طعن وإعادة وقائمة مغلقة، فالمشكلة لن تكون في دورة انتخابية واحدة، بل في مستقبل التمثيل السياسي نفسه.
ويبقى السؤال الذي لا يمكن تأجيله أكثر من ذلك:
هل نملك الشجاعة لإصلاح قواعد اللعبة الانتخابية قبل أن تتحول “الإعادة” من استثناء قانوني… إلى قاعدة تهدد شرعية البرلمان كله؟