رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

أسرار المدينة المنسية .. مشروع سيغير وجه الحياة بالقاهرة

جانب من مشروع الترميم
جانب من مشروع الترميم

محافظة القاهرة، ليست مجرد رقعة جغرافية تتسع للناس والحجر، بل كيان حيّ تتداخل فيه الأزمنة كما تتداخل الأرواح في ذاكرة واحدة ممتدة؛ فهي مدينة وُلدت من رحم التاريخ، وتراكمت طبقاتها الحضارية فوق بعضها البعض، حتى غدت شاهدًا صامتًا ناطقًا على مسيرة الإنسان المصري في بحثه الدائم عن المعنى، والبقاء، والخلود.

الجمال رسالة

ففي قلب القاهرة، حيث تتعانق المآذن مع السماء وتهمس الأحجار بحكايات القرون، تقف المساجد الأثرية باعتبارها أكثر من مبانٍ للصلاة؛ إنها تجسيد لفلسفة العمران حين كان الإيمان علمًا، والجمال رسالة، والعمارة لغة تخاطب الزمن.

كل حجر فيها يحمل أثر يدٍ مرت من هنا، وكل نقش يحفظ فكرة آمنت بأن ما يُبنى للروح لا يشيخ؛ ومن هنا، يصبح ترميم المساجد في المناطق التراثية فعلًا يتجاوز حدود الهندسة والبناء، ليمس جوهر العلاقة بين الإنسان وتاريخه.

إنه حوار متجدد بين الماضي والحاضر، تسعى فيه الدولة إلى صون الذاكرة دون تجميدها، وإحياء التراث دون فصله عن حركة الحياة؛ فالحفاظ على الأثر ليس حفاظًا على حجرٍ صامت، بل حماية لوعي أمة، وإقرار بأن المستقبل لا يُبنى إلا على أسس تعرف جذورها وتحترم ما أنجزه السابقون.

بدأت القصة منذ ثورة الثلاثين من يونيو، حيث أولت الدولة المصرية، اهتمامًا بالغًا بكل ما يتعلق بالحفاظ على التاريخ والهوية المصرية، واضعة نصب أعينها شعارًا واضحًا يقوم على التطوير والترميم دون المساس بالأثر، باعتباره شاهدًا حيًا على حقبة زمنية محددة، ومرآة تعكس عبق الحضارة المصرية التي تعاقبت عبر قرون طويلة.

وفي هذا الإطار، جاء مشروع تطوير القاهرة التاريخية كأحد أبرز المشروعات القومية التي رعتها الدولة المصرية، تنفيذًا لتوجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي، التي شدد خلالها مرارًا على ضرورة الحفاظ على الطابع المميز لتراث هذه المنطقة، وصون قيمتها الأثرية والمعمارية، بما يتكامل مع جهود التنمية الشاملة في مختلف أنحاء الجمهورية، تحقيقًا لتطلعات المصريين نحو بناء دولة قوية ومتقدمة، توفر جودة حياة لائقة لجميع المواطنين.

رؤية متكاملة لإحياء القاهرة التاريخية

عانت منطقة القاهرة التاريخية، على مدار عقود طويلة، من تراجع واضح وتراكم للعديد من المشكلات والتحديات، من بينها انتشار الأسواق العشوائية، وتضرر عدد كبير من المباني والمقابر الأثرية بسبب ارتفاع منسوب المياه الجوفية، فضلًا عن التكدس المروري والضغوط السكانية المتزايدة.

وقد باتت هذه الأوضاع تمثل تهديدًا حقيقيًا لجزء حيوي من تاريخ مصر وتراثها الإنساني الفريد، الأمر الذي استدعى وضع رؤية شاملة للتطوير المتكامل، تهدف إلى معالجة المشكلات التي تعيق حياة المواطنين، وفي الوقت ذاته تحافظ على القيمة التاريخية الاستثنائية للمنطقة.

وبالفعل، قطعت الدولة عهدًا بإحياء “عاصمة المعز” من جديد، واستعادة المكانة التاريخية للقاهرة باعتبارها واحدة من أكبر المدن التراثية في العالم.

شارع السيوفية

ضمن مشروع ترميم مائة أثر بنطاق القاهرة التاريخية، وتحت إشراف قطاع الآثار الإسلامية والقبطية بالمجلس الأعلى للآثار والإدارة العامة للقاهرة التاريخية، تم الانتهاء من أعمال ترميم ثلاثة مبانٍ أثرية بشارع السيوفية بمنطقة الحلمية بمحافظة القاهرة، وهي: قبة علم الدين سنجر المظفر (أثر رقم 261)، سبيل يوسف بك الكبير (أثر رقم 219)، قبة الأمير علاء الدين إيديكين البندقداري (أثر رقم 146).

وشملت أعمال الترميم تنظيف ومعالجة الجدران الحجرية، واستكمال الأجزاء المفقودة، وحقن الجدران، ورفع كفاءة شبكات الكهرباء والإنارة، إلى جانب أعمال الترميم الدقيق للعناصر الزخرفية، ومعالجة الأسقف الخشبية المزخرفة، والشبابيك الجصية، وترميم الأشرطة الكتابية، وصيانة الأشغال الخشبية.

جامع الظاهر بيبرس

أما عن جامع الظاهر بيبرس، والذي يعد عودة أيقونة معمارية فبدأ مشروع الترميم والإعمار عام 2007، إلا أنه تعثر منذ عام 2011 لأسباب متعددة، قبل أن تُستأنف الأعمال مجددًا عام 2018.

وتضمنت أعمال الترميم تخفيض منسوب المياه الجوفية، والانتهاء من الأعمال الإنشائية، والترميم المعماري والدقيق، وتطوير نظم الإضاءة والتأمين. كما أسفرت أعمال الترميم عن اكتشاف صهريج مياه أسفل أرضية صحن الجامع.

وشمل المشروع كذلك تطوير الخدمات المقدمة للزائرين، من خلال لوحات إرشادية وتعريفية، وإتاحة سبل الوصول لذوي الهمم، بما يعزز التجربة السياحية. كما تم تنفيذ مرافق البنية الأساسية كاملة، وتركيب منظومة متكاملة لإطفاء الحريق، وشبكات الكهرباء الداخلية والخارجية، إلى جانب تنفيذ إضاءة بانورامية متخصصة لإبراز الزخارف والتفاصيل المعمارية، ليصبح الجامع أيقونة مضيئة في ميدان الظاهر.

وتم افتتاح الجامع رسميًا في 4 يونيو 2023، وبلغت تكلفة المشروع نحو 237 مليون جنيه مصري، بمساهمات من دولة كازاخستان، ووزارة الأوقاف، ووزارة السياحة والآثار، ووزارتي المالية والتخطيط.

جامع عمرو بن العاص أقدم مساجد مصر

يُعد جامع عمرو بن العاص أول مسجد أُقيم في مصر وإفريقيا، وقد أنشأه القائد عمرو بن العاص عام 21هـ / 642م.

وشملت أعمال التطوير، التي نُفذت بتمويل من هيئة المجتمعات العمرانية، ترميم جميع العناصر الأثرية، ورفع كفاءة شبكات خفض المياه الجوفية وصرف مياه الأمطار، وإنشاء منظومة وقاية من الحريق، وتطوير الإضاءة والصوتيات، وتوسعة المدخل الرئيسي، وإنشاء ساحة خارجية لاستقبال الزائرين.

مسجد الحاكم بأمر الله

يعود مسجد الحاكم بأمر الله إلى العصر الفاطمي، وهو رابع أقدم المساجد الجامعة الباقية في مصر؛ وقد بدأت أعمال ترميمه في فبراير 2017 بتمويل من طائفة البهرة، وتحت إشراف قطاع المشروعات والإدارة العامة للقاهرة التاريخية.

وشملت الأعمال معالجة الرطوبة والأملاح، وترميم الأخشاب، والمحاريب، وتجديد شبكة الكهرباء، وإضافة كاميرات مراقبة، وصيانة الأرضيات الرخامية، وتم افتتاح المسجد في 27 فبراير 2023.

مسار الدرب الأحمر السياحي

في إطار التعاون بين وزارة السياحة والآثار ومؤسسة الآغاخان الثقافية، تم إنشاء مسار سياحي جديد بمنطقة الدرب الأحمر، يربط عددًا من المساجد والأسبلة والمباني الأثرية ذات القيمة التاريخية الفريدة، مع تذكرة موحدة وأساليب عرض حديثة، ومركز للزوار، ووسائل نقل كهربائية صديقة للبيئة.

سور مجرى العيون

كما شملت أعمال الترميم سور مجرى العيون، ومعبد بن عزرا، والجامع الأقمر، وقبة رقية دودو، وحصن بابليون، وقبة الخلفاء العباسيين، حيث تنوعت الأعمال بين الترميم المعماري الدقيق، وإزالة التعديات، ومعالجة الأحجار، وتطوير الإضاءة، وتأهيل المناطق المحيطة، وافتتاح هذه المواقع تباعًا خلال عامي 2023.

أهداف المشروع القومي

يهدف مشروع ترميم المساجد والمناطق التراثية بالقاهرة إلى: الحفاظ على التراث الإسلامي في قلب القاهرة التاريخية، وكذا ترميم المساجد القديمة وإعادة تأهيلها عمرانيًا ومعماريًا، بالاضافة إلى تطوير المناطق المحيطة وتحسين التجربة السياحية والثقافية، ودعم السياحة التراثية كأداة للتنمية المستدامة.

شراكة وطنية ودولية

فيما يتم يُنفذ المشروع من خلال تعاون وثيق بين وزارات الدولة المعنية، ومحافظة القاهرة، إلى جانب مشاركة القطاع الخاص والمنظمات الدولية، مع إشراك المجتمع المحلي في بعض مراحل الصيانة والترميم.

ملحمة وطنية للحفاظ على الهوية المصرية

وفي الختام يمثل مشروع ترميم المساجد والمناطق التراثية بالقاهرة ملحمة وطنية للحفاظ على الهوية المصرية، حيث لا يقتصر على ترميم مبانٍ أثرية فحسب، بل يسعى إلى إعادة إحياء روح المكان، والحفاظ على الطابع العمراني الإسلامي، ودعم السياحة الثقافية، لتبقى القاهرة التاريخية شاهدًا حيًا على عظمة الحضارة المصرية عبر العصور.

تم نسخ الرابط