شحاتة زكريا يكتب: صوت المصريين.. لماذا يظل هو بوابة الشرعية وأساس البناء؟
في لحظات التحول الكبرى وفي مفترق الطرق الذي تمر به كل أمة تبحث عن مستقبل مختلف يظل هناك ثابت واحد لا يتغير: صوت الناس. قد تتبدل السياسات وقد تتغير الحكومات وقد تواجه الدولة تحديات اقتصادية أو سياسية أو أمنية لكن الصوت الذي يخرج من قلب المواطن البسيط يظل هو الحقيقة الأكثر رسوخا والمرجع الأكثر قوة والركيزة التي تُبنى عليها شرعية الحكم واستقرار المؤسسات واستمرار الدولة نفسها.
المصريون على مدار تاريخهم الطويل ليسوا مجرد شعب يعيش فوق أرض ؛ بل هم شريك كامل في صياغة القرار الوطني. ولذلك لم يكن غريبا أن يظل صوت المصريين هو الفيصل وهو النقطة التي يعود إليها الجميع في لحظات التقييم والاختيار. وما حدث في السنوات الأخيرة من استفتاءات وانتخابات ومحطات فارقة أكد شيئا واحدا: أن الشرعية الحقيقية تولد من إرادة الناس، لا من صفحات الكتب ولا من الشعارات.
لقد واجهت الدولة المصرية خلال العقد الأخير تحديات عاصفة من ضغوط اقتصادية ومحاولات استهداف من الخارج وتحديات أمنية غير مسبوقة وتحولات عالمية أربكت حتى الدول الكبرى. ورغم ذلك فإن ما حفظ الوطن لم يكن فقط مؤسسات قوية أو دولة واعية بل كان قبل هذا وذاك شعبا يعرف متى يقول كلمته ومتى يقف في صف بلده. لقد أثبت المصريون أنهم أكثر وعيا مما يتصور البعض وأن لديهم قدرة فطرية على التقاط اللحظة المناسبة وإدراك ما يجب أن يُقال وما يجب أن يُفعل.
هذا الصوت الذي يُقال عنه إنه مجرد مشاركة في صندوق انتخابي هو في الحقيقة أعمق بكثير من إجراء سياسي. إنه فعل انتماء. فعل حماية. رسالة واضحة تقول للعالم:
نحن هنا… وهذه بلدنا… وهذا قرارنا.
ولذلك كل مرة يخرج فيها المصريون ليعبروا عن رأيهم فإنهم لا يمنحون شرعية لحكومة فقط بل يمنحون شرعية لدولة بأكملها كي تستمر في طريقها، وتواجه تحدياتها ، وتبني مستقبلها دون ارتباك أو اهتزاز.
اليوم ونحن نرى العالم يتغير بسرعة مخيفة تصبح قوة الشعوب هي السلاح الأهم. دول كثيرة تمتلك الثروات لكنها تفتقد الانسجام الداخلي فتنهار عند أول اختبار. بينما دول أخرى قد تواجه عجزا أو أزمات لكنها تقف على قدميها لأنها تمتلك شعبًا موحدا يعرف ماذا يريد ويعرف أين يضع صوته ولماذا يضعه.
ومصر تنتمي للفئة الثانية بقوة. فالمصري حين يقول كلمته فإنه يقولها عن إدراك ، وعن شعور داخلي بأن مستقبل أولاده مرتبط بهذا الاختيار وبأن البلد التي تعودت على مواجهة العواصف لا تبنى إلا بالسواعد والعقول ولا تستقر إلا بالإرادة الجمعية.
لقد حاول البعض في مراحل سابقة التشكيك في جدوى صوت الناس أو التقليل من قيمته لكن الأيام أثبتت أن هذا الصوت ليس مجرد رقم في إحصاء بل هو البوصلة التي تُعيد توجيه الدولة إذا انحرفت وتدعمها إذا أصابت وتحميها إذا اشتدت عليها الضغوط. وكثير من القرارات المصيرية التي اتُخذت لم تكن لتحظى بقبول أو قدرة على التنفيذ لولا إدراك القيادة المصرية لقيمة هذا الصوت ، واحترامها له واعتبارها أن أي خطوة لن تنجح ما لم يكن الشعب نفسه جزءا منها.
وفي السنوات الأخيرة ومع تحولات الداخل والخارج أصبح واضحا أن المصريين لم يعودوا يتعاملون مع الدولة بمنطق المتلقي بل بمنطق الشريك. أصبح المواطن يدرك أن صوته ليس منحة يقدمها لأحد بل هو أداة تأثير وطاقة دفع، وحق أصيل يمارسه بثقة ويعرف جيدا أن به تُبنى الدول أو تنهار.
هذه الشراكة بين الدولة والمواطنين لم تأتِ صدفة بل جاءت نتيجة مشروع سياسي واجتماعي واقتصادي كبير جعل الناس لأول مرة منذ عقود يشعرون بأن ما يحدث على الأرض يخصهم وبأن ما يُبنى اليوم سيعود عليهم وعلى مستقبل أبنائهم.
من هنا يصبح السؤال: لماذا يظل صوت المصريين بوابة الشرعية وأساس البناء؟
لأن المصريين لا يمنحون شرعية صامتة… بل يمنحون شرعية واعية.
لأنهم حين يشاركون فإنهم يقولون للعالم: هذه بلد قررت أن تبني نفسها بإرادتها.
ولأن القيادة التي تحترم هذا الصوت وتستند إليه تعرف أنها تقود دولة لا تتحرك بالأوامر فقط ، بل تتحرك بالاقتناع.
ولأن مشروع بناء الجمهورية الجديدة قائم على فكرة أساسية: أن الدولة ليست مؤسسات فقط بل مجتمع كامل يشارك في الاختيار ويتحمل مسؤولية القرار ويتقاسم نتائج النجاح والتحديات.
وحتى في خضم الأزمات الاقتصادية التي يمر بها العالم كله ظل المصريون يدركون أن القوة الحقيقية ليست في تجاوز الأزمة وحدها بل في الحفاظ على وحدة الصف وفي استمرار الدولة في طريق الإصلاح وفي مواجهة من يريدون إضعاف الثقة بين الشعب ومؤسساته. ولذلك بقي صوت المصريين هو "شبكة الأمان" التي تحمي الدولة من الهزات المفاجئة وهو الأساس الذي تستند إليه القيادة في المضي قدمًا في مشروعها الوطني.
إن الدول تُبنى بالموارد والعقول لكن شرعيتها تبنى بالصوت. وكل دولة تحظى بثقة شعبها تمتلك ما هو أثمن من أي ثروة: الشرعية التي لا تهتز. ومصر بكل تاريخها ورصيدها الحضاري ووعي شعبها تعرف أن صوت المصريين ليس مجرد مشاركة في حدث سياسي بل هو حجر الأساس الذي يضمن استمرار الدولة ويدعم استقرارها ويمنحها القدرة على مواجهة أي تحدٍ مهما كان حجمه.
وفي النهاية سيظل صوت المصريين هو المعادلة التي لا تُخطئ وهو الحقيقة التي تتجاوز الزمن وهو الركيزة التي تُبنى عليها دولة قوية وعصرية، تعرف طريقها وتحمل في داخلها إرادة أمة لم ولن تفقد القدرة على اختيار مستقبلها.