رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

ماذا تخفي الرمال عن ماضي واحة الخارجة.. مدينة أشرقت بعد ألفي عام

تاريخ مصر
تاريخ مصر

لا تزال الحضارة المصرية تبوح بأسرارها التي حيرت العالم، فما بين اتساع الصحراء وصمت الحجارة وتحوّلات الزمن، تبدو مصر وكأنها كيانٌ حيٌّ يتنفس عبر طبقات متراكمة من الذاكرة، تُخفي بقدر ما تكشف، وتمنح بقدر ما تسلب.

فمنذ آلاف السنين، لم تكن مصر مجرد أرض، بل كانت وعيًا يتشكل، وروحًا تسكن التاريخ، وعقلاً صاغ أسئلة الكون قبل أن يعرف الإنسان معنى السؤال ذاته.

إعادة فهم معنى الزمن والإنسان
 

إنها الحضارة التي لم تتوقف لحظة عن مفاجأة الباحثين والمؤرخين، كأنها تختبر صبرنا وفضولنا، وتدعونا في كل اكتشاف جديد لإعادة فهم معنى الزمن ومعنى الإنسان.

فكل حجر في مصر يشبه صفحةً ناقصة من كتابٍ مكتوبٍ بلغةٍ لا تُفك رموزها بسهولة، وكل أثر يخرج من باطن الأرض يحمل معه صدى لأسطورة، أو لطقس، أو لحياة كاملة كانت هنا، تختفي ثم تعود كأنها تتذكّر نفسها من جديد.

وتكمن عظمة الحضارة المصرية في أنها لا تكشف أسرارها دفعة واحدة، بل تُظهرها تدريجياً، كما لو أن الماضي يتسامر مع الحاضر في حوار طويل، يفتح باب المعرفة لكنه يترك شيئاً من اللغز ليبقى سحر المكان حيّاً لا ينطفئ.

هكذا، ومع كل اكتشاف جديد مهما بدا صغيراً يتجدد السؤال الأزلي هل نحن الذين نبحث عن التاريخ أم أنه هو الذي يختار اللحظة المناسبة ليظهر لنا؟

وفي خضم هذا التساؤل ووسط رمال واحة الخارجة الهادئة في قلب الصحراء الغربية المصرية، انبثق ضوء تاريخي جديد يدعى “مدينة النور”، حيث كشفت بعثة أثرية تابعة للمجلس الأعلى للآثار، في منطقة عين الخراب، عن بقايا مدينة سكنية هامة تعود إلى بدايات العصر القبطي، وهي مرحلة محورية شهدت الانتقال من الوثنية إلى المسيحية.

أهمية الاكتشاف

يُعدّ هذا الكشف الأثري أحد أبرز الاكتشافات التي ترسم ملامح التحول الديني والاجتماعي في تاريخ مصر القديم. ففي بيان رسمي، وصف الدكتور شريف فتحي، وزير السياحة والآثار، هذا الاكتشاف بأنه يعكس عمقاً حضارياً وتنوعاً دينياً وثقافياً لدى المصريين في مرحلة بالغة الحساسية: وهي مرحلة الانتقال من عبادة المعبودات التقليدية إلى الإيمان المسيحي.

من جانبه، أوضح الدكتور محمد إسماعيل خالد، الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، أن الموقع يكشف نقلة مهمة في تاريخ واحة الخارجة، معتبراً الواحات الغربية "مراكز للحياة الدينية والاجتماعية في عصور متعددة".


تفاصيل الكشف الأثري

عملت بعثة أثرية في موقع عين الخراب ضمن نطاق آثار واحات الخارجة الإسلامية والقبطية في الوادي الجديد، وكشفت عن مبانٍ سكنية متكاملة: غرف مبنية من طوب اللبن، وبعض الجدران مغطاة بطبقة من الملاط.

وكذا تم كشف مناطق خدمية تشمل أفراناً للاستخدام اليومي، تدل على نشاط منزلي منتظم، وليس مجرد مستوطنة مؤقتة.

حواصل (خزانات) من الطوب اللبن وأوانٍ فخارية كبيرة مدفونة في الأرض، تُستخدم لتخزين الحبوب والطعام، ما يعكس نمط حياة ثابت ومستدام.

مجموعة أثرية متنوعة: أوستراكات (شظايا فخارية أو حجرية مكتوبة)، آنية فخارية، قطع زجاجية، قطع حجرية، فضلاً عن دفنات بشرية.

جدارية نادرة، تظهر المسيح يشفي مريضاً، وهو اكتشاف ذو دلالة قوية على الروح المسيحية المبكرة في المجتمع المحلي.

معابد الإيمان الأولى

من بين أبرز ما كشفته البعثة، كنيسة كبيرة بالطراز البازيليكي، بُنيت من طوب اللبن، وتتكون من صالة مركزية وجناحين، يفصل بينها وبين الجناحين ثلاث أعمدة مربعة من كل جهة.

في الجانب الجنوبي من الكنيسة وجدت مبانٍ خدمية مرتبطة بها، ما يدل على أن الكنيسة لم تكن مكان عبادة فقط، بل كان محورها نشاط يومي محلي.

فهناك كنيسة أصغر ذات تصميم مستطيل محاطة بسبعة أعمدة خارجية، بعض جدرانها الداخلية منقوشة بكتابات قِبطية، الأمر الذي يكشف عن وجود مجتمع ناطق بالقبطية، واستخدام اللغة القبطية داخل الأماكن المقدّسة.

في الناحية الغربية من الكنيسة عُثر أيضاً على مبانٍ خدمية، ما يعكس نمط حياة مرافق للعبادة، حيث كان للنشاط الاجتماعي والاقتصادي علاقة وثيقة بالمكان الديني.

استمرارية الاستخدام من الروماني إلى الإسلامي

من المثير أن البعثة الأثرية رصدت دلائل تثبت أن الموقع لم يكن مهجوراً بعد العصر القبطي، بل استُخدم عبر عصور متعددة، حيث تم الكشف عن مبان تعود إلى الفترة الرومانية أعيد استخدامها خلال الحقبة القبطية المبكرة.

كذلك، هناك دلائل على استخدامات في العصر الإسلامي، ما يشير إلى أن هذه المدينة السكنية ظلت مركزاً للمجتمع لفترة طويلة.

تسامح وتعايش

هذا الاكتشاف ليس مجرد موقع أثري عابر؛ إنه شاهد حي على مرحلة تحوّل ديني واجتماعي كانت مصر تمر بها في بدايات المسيحية، فقد مثلت الواحات الغربية، وعلى وجه الخصوص واحة الخارجة، بؤرة مهمة للحياة الدينية والاجتماعية خلال تلك الحقبة، كما أشار الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار.

فجود كنائس مبنية على الطراز البازيليكي، وكتابات قبطية داخل حوائط الكنائس، بالإضافة إلى النشاط السكّاني المستمر، يعكس قدرة المجتمعات المحلية على التكيف والاندماج مع التحولات الكبرى دون أن تنفك هويّتها التاريخية، كما يبرز روح التعدد والتسامح التي كانت ماثلة في تلك المجتمعات.

دعم الدولة للسياحة الثقافية

وفي ذلك الصدد وعقب الاكتشاف أوضح وزير السياحة والآثار أن هذا الاكتشاف يمثل دعامة قوية للسياحة الثقافية في مصر، خاصة في المناطق الواقعة بالصحراء الغربية، التي تحوي كنوزاً تاريخية غير مستثمَرة بالشكل الكافي.

كما شدد الوزير على دعم الوزارة الكامل للبعثات الأثرية العاملة في مختلف المحافظات، معتبرًا ما تحقّقه من إنجازات خطوة مهمة في تعزيز مكانة مصر على خريطة السياحة الحضارية العالمية.

ما بعد الاكتشاف

الاكتشاف الأثري في “مدينة النور” (كما قد يُطلَق عليها رمزيًّا) يفتح الباب أمام فهم أعمق لتحولات التاريخ المصري، ويطرح عدة تساؤلات مهمة منها: ما مدى انتشار هذه المدن القبطية في واحات الصحراء الغربية؟

وإلى أي مدى كانت هذه الواحات مراكز روحية وتجارية هامّة خلال الفترات المسيحية المبكرة؟

كيف يمكن للموقع أن يُطوَّر ليصبح وجهة سياحية وتعليمية دون الإخلال بقدسيته الأثرية؟

وكذا هل توجد مخططات لحماية المكتشفات من العوامل البيئية كالرمل والتعرية؟

إنّ “مدينة النور” المكتشَفة في واحة الخارجة تُعد من الكنوز الأثرية الفريدة التي تضيء فصلاً غنياً من التاريخ المصري، فصل التحول من الوثنية إلى المسيحية. هذا الكشف لا يعيد كتابة تاريخاً فحسب، بل يذكّرنا بأن الصحراء التي تبدو قاحلة لا تخفي بداخَلها إلا أسراراً في غاية الروعة والأهمية.

من خلال هذه الاكتشافات، تستحضر مصر مرة أخرى ماضيها العميق، وتؤكد أن الهوية المصرية ليست مجرد سلسلة من العصور المتعاقِبة، بل نسيج من التعايش، التحول، والإيمان نسيج تشكَّل عبر قرون، وما يزال يُروَّى في رمال الواحات.

تم نسخ الرابط