النائب محمد رزق يكتب: قانون الإجراءات الجنائية الجديد.. منطق الدولة الحديثة وتحوّل الوعي التشريعي المصري
لم يكن إصدار قانون الإجراءات الجنائية في صيغته الجديدة مجرد استحقاق تشريعي متأخر، بل هو إعلان مكتمل عن نضج الدولة المصرية الحديثة في إدراكها لطبيعة العلاقة بين العدالة والسلطة، بين الحق والقانون، وبين الإنسان والدولة.
فحين يُعيد رئيس الجمهورية مشروع قانون أقره البرلمان لمزيد من الضمانات القانونية للمواطن، فإننا أمام تجسيد نادر لإرادة سياسية تُمارس سلطتها من منطلق الضمير الدستوري لا الهيمنة التنفيذية. هذه ليست مجرد خطوة قانونية، بل هي رسالة سياسية عميقة:
أن مصر تدخل مرحلة جديدة من التحول الحقوقي، قوامها العدل قبل الردع، والإنسان قبل النص.
القانون في جوهره هو أداة ضبط للعلاقة بين السلطة والمجتمع، لكن القانون في روحه هو أداة بناء للثقة بين المواطن والدولة. وهنا تكمن أهمية ما فعله الرئيس عبد الفتاح السيسي حين وجّه بتعديل عدد من المواد، فالقضية لم تكن في إعادة الصياغة بقدر ما كانت في إعادة تعريف فلسفة العقاب والعدالة داخل الجمهورية الجديدة.
إننا أمام قانون يترجم فلسفة سياسية متكاملة، قائمة على ثلاث ركائز أساسية:
- العدالة الناجزة بوصفها حقًا للمواطن لا منّة من الدولة.
- التحول من منطق العقوبة إلى منطق الإصلاح في بنية الفكر الجنائي.
- إعادة الاعتبار للمحاكمة كمساحة للحق، لا كإجراء شكلي.
ولعل من أبرز ملامح هذا التحول استحداث بدائل الحبس الاحتياطي، الذي طالما كان مثار جدل حقوقي وقانوني. فالدولة هنا تُعلن بوضوح أن الحبس لم يعد هو أداة الضبط الأولى، بل الملاذ الأخير، وأن الحرية الفردية هي الأصل، وكل تقييد لها استثناء مؤقت لا يُقبل إلا بضمانات محكمة.
كما أن الرقمنة القضائية من المحاكمات عن بُعد إلى الإعلانات الإلكترونية، ليست مجرد تحديث تقني، بل تأسيس لعدالة عصرية تتجاوز البيروقراطية وتقطع مع البطء الموروث، وهو ما يعكس فهمًا عميقًا للعدالة باعتبارها منظومة إنتاج للثقة الاجتماعية، لا مجرد إجراء قانوني.
لقد جاء القانون الجديد ليؤكد أن الدولة المصرية تغادر منطق الإدارة إلى منطق الفلسفة في التشريع، نحن أمام مرحلة يصبح فيها القانون مرآة للوعي السياسي للدولة، التي اختارت أن تحمي المجتمع بالثقة لا بالخوف، وبالضمانات لا بالردع.
وهذا التحول لا يمكن فصله عن مشروع بناء الجمهورية الجديدة، التي أعادت تعريف مفهوم الأمن القومي ذاته، ليشمل العدالة بوصفها أحد مكونات أمن الدولة واستقرارها، إدراكًا بأن العدالة البطيئة تولّد احتقانًا، والعدالة الغائبة تولّد غضبًا، أما العدالة الرشيدة فهي التي تصنع الانتماء.
إن إصرار القيادة السياسية على أن يخرج القانون في أبهى صورة، يعكس نضج التجربة المصرية في توازن السلطات واستقلال المؤسسات، وهو ما أشار إليه المستشار محمود فوزي حين وصف المشهد بأنه “ممارسة ديمقراطية في أبهى صورها”.
فالقانون لم يصدر بقرار فوقي، بل بولادة تشاركية بين الرئاسة والبرلمان، في سابقة تكرّس منهج التفاهم المؤسسي كأحد أعمدة الحكم الرشيد.
إن هذا القانون، في جوهره، ليس مجرد مجموعة من المواد القانونية، بل إعلان عن وعي دولة اختارت أن تعيد تعريف علاقتها بمواطنيها على أساس من العدالة والثقة والمسؤولية.
إنه ليس نهاية مسار الإصلاح التشريعي، بل بدايته الحقيقية؛ نقطة تحول من دولة تُطبّق القانون إلى دولة تُفكّر بالقانون.
لقد آن الأوان أن ننظر إلى العدالة لا كسلطة قضائية فحسب، بل كفكرة وطنية شاملة، تمس كل تفاصيل العلاقة بين الدولة والمجتمع، بين السلطة والمواطن، بين النص والإنسان.
ففي دولة تُدرك أن القانون هو ضمير الأمة، لا يمكن أن تُبنى النهضة إلا على أساس من العدالة الشاملة، التي لا تُفرّق بين حق الدولة وحق الفرد، لأن كليهما في النهاية وجهان لعملة واحدة: الوطن.