رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

إعلان ترامب استئناف "الاختبارات النووية".. عودة إلى سباق التسلح؟

انفجار نووي - صورة
انفجار نووي - صورة تعبيرية

أعاد إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب استئناف الاختبارات النووية الأميركية إلى الأذهان أجواء الحرب الباردة وسباق التسلح الذي ميّز القرن العشرين، في خطوة وصفها مراقبون بأنها تحول خطير قد يعيد العالم إلى عصر نووي جديد تتراجع فيه الضمانات والاتفاقيات الدولية التي وُضعت بعد عقود من التفاوض.

وقال ترامب، في تصريح أدلى به الخميس، إنه "بسبب برامج الاختبار التي تقوم بها دول أخرى، وجّه وزارة الحرب ببدء اختبار أسلحتنا النووية على قدم المساواة"، مضيفاً أن منافسي الولايات المتحدة، روسيا والصين، "يجرون على ما يبدو جميعاً تجارب نووية"، وبالتالي "إذا كانوا يجرون اختبارات، فأعتقد أننا سنجريها أيضاً".

ردود فعل دولية غاضبة

لم يتأخر رد الخصمين التقليديين لواشنطن. فقد دعت بكين الولايات المتحدة إلى "الالتزام الجاد بمعاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية"، فيما أكدت موسكو أن اختبارها الأخير لصاروخ كروز يعمل بالطاقة النووية "لا يشكل تجربة نووية" بالمعنى القانوني، متهمة واشنطن بـ"محاولة خلق ذريعة لتبرير سباق تسلح جديد".

أما الأمم المتحدة، فعبّرت عن قلق بالغ، مؤكدة أن "التجارب النووية غير مسموح بها تحت أي ظرف". وقال فرحان حق، مساعد المتحدث باسم الأمين العام أنطونيو غوتيريش:

"المخاطر النووية الحالية مرتفعة إلى مستوى ينذر بالخطر، ويجب تجنب جميع الإجراءات التي قد تؤدي إلى سوء تقدير أو تصعيد تكون له عواقب وخيمة. لا يمكن السماح بإجراء التجارب النووية تحت أي ظرف".

هل نحن أمام "عصر نووي جديد"؟

يرى خبراء في الشؤون العسكرية أن تصريحات ترامب لا يمكن النظر إليها بمعزل عن التحولات الجيوسياسية الراهنة، خصوصاً تصاعد التنافس بين القوى الكبرى وسباق تطوير الأسلحة المتقدمة.
ووفق تحليل لوكالة فرانس برس، طرح باحثون ثلاث فرضيات لتفسير خطوة ترامب، تراوح بين ردّ على الابتكارات العسكرية الروسية، والاستعداد لرفع مستوى التجارب إلى حدها المسموح، أو استئناف الاختبارات الفعلية بعد توقف دام نحو ثلاثة عقود.

تقول الباحثة في معهد العلاقات الدولية الفرنسي إيلويز فاييه إن "من المحتمل أن ترامب يتحدث عن اختبار صواريخ، أو تجارب دون حرجة، أو حتى عن اختبارات حقيقية، لكن لا أحد يجري هذا النوع من التجارب حالياً سوى كوريا الشمالية، التي نفذت ست تجارب بين عامي 2006 و2017".

ردّ على موسكو أم مناورة سياسية؟

من جانبه، اعتبر وليام ألبرك، المدير السابق لمركز منع الانتشار النووي التابع لحلف شمال الأطلسي (الناتو)، أن تصريحات ترامب ربما جاءت رداً مباشراً على الإعلان الروسي الأخير بشأن تطوير أنظمة جديدة مثل صاروخ "بوريفيستنيك" النووي وطوربيد "بوسيدون".

وقال ألبرك: "في البداية ظننت أنه يرد على تصريحات روسية حول أنظمة نووية جديدة، لذلك فسّرت كلامه على أنه يتعلق باختبارات الأنظمة وليس الرؤوس الحربية". لكنه استدرك قائلاً إن هذا التفسير محدود، لأن "الولايات المتحدة، مثل القوى النووية الأخرى، تجري بالفعل اختبارات على صواريخها ضمن برامج محاكاة وتقنيات رقمية متقدمة".

"التجارب دون الحرجة".. حدود غامضة للحظر النووي

تخضع التجارب النووية منذ عام 1996 لمعاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية (CTBT)، التي تمنع أي تجربة تؤدي إلى إطلاق طاقة نووية تفجيرية.
لكن بعض الدول، مثل روسيا والصين، تُتهم بإجراء تجارب دون حرجة، وهي اختبارات تحت الأرض لا تُنتج انفجاراً نووياً فعلياً، لكنها تُستخدم لتحسين أداء الرؤوس الحربية.

توضح فاييه أن الولايات المتحدة "تتبع سياسات أكثر تقييداً بكثير من منافسيها"، إذ تكتفي بتجارب لا ينتج عنها إطلاق طاقة أو حرارة، "بينما يُعتقد أن روسيا والصين تجريان تجارب دون حرجة تُطلق كميات محدودة من الطاقة".

ويؤكد ألبرك أن هذه الأنشطة "من الصعب اكتشافها خارجياً، لأن الغرف التجريبية تبنى تحت الأرض داخل غرف أخرى، ما يجعل الاهتزازات الصغيرة غير قابلة للرصد بالأقمار الصناعية أو أجهزة الاستشعار الزلزالي".

الاحتمال الأخطر: العودة إلى الاختبارات الفعلية

الفرضية الأخيرة والأكثر إثارة للقلق، وفق فاييه، هي أن ترامب قد يقصد فعلاً استئناف التجارب النووية الكاملة، وهو أمر لم يحدث في الولايات المتحدة منذ عام 1992.
وتقول الباحثة: "لطالما رغب بعض مؤيدي ترامب في العودة إلى الاختبارات، رغم أن فائدتها التقنية محدودة، لأن لدى واشنطن برامج محاكاة رقمية متطورة تغنيها عن التفجيرات الحقيقية".

وتشير فاييه إلى أن الفائدة المحتملة من هذه الخطوة ستكون سياسية بالدرجة الأولى، إذ يمكن استخدامها "كورقة ضغط في مفاوضات مستقبلية مع موسكو وبكين" من أجل اتفاق جديد يحدّ من الأسلحة النووية الثلاثية، خاصة بعد تفكك معظم الاتفاقيات الثنائية مثل معاهدة القوى النووية المتوسطة التي انسحبت منها واشنطن في 2019.

انعكاسات دولية خطيرة

يرى مراقبون أن إعلان ترامب — سواء كان رمزياً أو عملياً — يمثل تحدياً مباشراً للنظام الدولي للحد من التسلح، ويهدد بإشعال سباق تسلح نووي جديد بين القوى الكبرى.
ويقول خبير الأمن الدولي الفرنسي جان مارك لافيت إن "استئناف الاختبارات سيمنح مبرراً لروسيا والصين للقيام بالمثل، وربما يشجع قوى إقليمية أخرى مثل كوريا الشمالية والهند وباكستان على تحديث ترساناتها دون قيود".

ويضيف أن هذا التطور قد يضعف الثقة المتبادلة بين الدول النووية ويؤدي إلى "انهيار شبه كامل لنظام الردع القائم على التوازن"، محذراً من أن "كل تجربة جديدة تعني خطوة إلى الوراء في مسار نزع السلاح الذي بدأ منذ أكثر من نصف قرن".

بين الطموح السياسي والمخاطر العالمية

بالنسبة لأنصار ترامب، تمثل هذه الخطوة "إعادة هيبة" للولايات المتحدة في مواجهة خصومها النوويين. لكن بالنسبة للمجتمع الدولي، فهي إعلان دخول مرحلة جديدة من عدم اليقين النووي، في عالم يعاني أصلاً من أزمات جيوسياسية متفجرة من أوروبا إلى الشرق الأوسط.

ويخلص المراقبون إلى أن استئناف الاختبارات النووية — إن تم فعلاً — لن يكون مجرد إجراء تقني أو عسكري، بل قرار استراتيجي يغيّر قواعد اللعبة الدولية، ويدفع العالم نحو مرحلة عنوانها الخوف من زر جديد في سباق لا يحتمل الخطأ.

تم نسخ الرابط