ياسمين عبده تكتب: هل دخل العالم في عصر الركود التكنولوجي؟
رغم الطفرة التي يشهدها العالم في الذكاء الاصطناعي، والحديث المتواصل عن «الثورة الصناعية الرابعة»، يزداد الشعور بأن الاقتصاد العالمي يعيش حالة تباطؤ في الابتكار تشبه ما يمكن تسميته بـ”الركود التكنولوجي”. المفارقة الصادمة أن العالم لم يكن يومًا أكثر اتصالًا أو إنفاقًا على التكنولوجيا مما هو عليه الآن، ومع ذلك تتراجع إنتاجية الاقتصادات الكبرى وتتسع فجوة الثراء، وتتباطأ مكاسب التحول الرقمي بدل أن تتسارع.
يشير خبراء الاقتصاد إلى أن الابتكار لم يعد يترجم إلى نمو حقيقي في الأسواق أو فرص عمل نوعية، بل إلى أرباح مركّزة في يد عدد محدود من الشركات العملاقة، تفرض سيطرتها على السوق والمعرفة معًا. فبدلًا من أن تُعيد التكنولوجيا توزيع الفرص، أصبحت تعمّق الفجوة بين الاقتصادات المتقدمة والدول النامية، وبين الشركات الكبرى والمشروعات الصغيرة التي تختنق تحت ضغط التحول السريع والتكاليف الباهظة.
في الشرق الأوسط، تتضاعف التحديات. فبينما تندفع الحكومات نحو الاستثمار في الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي، تظل الأسئلة الكبرى بلا إجابة: هل هذه الاستثمارات تخلق اقتصادًا منتجًا حقيقيًا أم مجرد «مظهر رقمي»؟ وهل تملك الدول العربية خططًا واضحة لتحويل الابتكار إلى قيمة مضافة لا إلى ديون جديدة؟
إن المنطقة، رغم إمكاناتها، لم تدخل بعد مرحلة الاقتصاد القائم على المعرفة بشكل فعلي، لأن البنية التعليمية وسوق العمل لا تزالان بعيدتين عن روح العصر الرقمي.
الأخطر أن التكنولوجيا بدأت تُستخدم كأداة مضاربة لا كرافعة إنتاج، وهو ما يجعلها أقرب إلى «فقاعة رقمية» تهدد بالانفجار في أي لحظة. فمع تضخم تقييمات شركات التقنية في وول ستريت وتراجع الطلب الحقيقي في الأسواق، تتصاعد التحذيرات من دخول العالم مرحلة ركود اقتصادي رقمي، حيث يتوقف النمو رغم الابتكار.
الواقع أن ما يحدث اليوم يعيدنا إلى درس الثورات الصناعية السابقة: لا يكفي امتلاك التكنولوجيا، بل يجب أن تُدار ضمن رؤية اقتصادية شاملة. فالآلة لا تُغني عن الإنسان، والذكاء الاصطناعي لا يخلق القيمة إلا حين يُستخدم في تطوير الصناعات والخدمات لا في استبدال البشر.
المعادلة واضحة: التكنولوجيا التي لا تُترجم إلى عدالة اقتصادية ستتحول إلى عبء، والاقتصاد الذي لا يواكب التحولات التقنية سيصبح هشًّا أمام موجات التغير القادمة. لقد بات من الضروري للعالم العربي أن يضع استراتيجية متكاملة لمستقبل الاقتصاد الرقمي، تجمع بين التعليم والإنتاج والتشريعات، بدل أن يظل مجرد سوق استهلاكية للتقنيات المستوردة.
إننا نعيش لحظة فاصلة في التاريخ الاقتصادي العالمي، حيث تتحول التكنولوجيا من وعد بالازدهار إلى اختبار للقدرة على التكيّف. والسؤال الحقيقي الذي يجب أن يُطرح اليوم: هل نحن نتحكم في التكنولوجيا، أم أننا نسير نحو عصر تسيطر فيه التكنولوجيا علينا؟.