ياسمين عبده تكتب: هل يتحوّل الحلم الفلسطيني إلى اعتراف دولي شامل؟
في لحظة فارقة من تاريخ الصراع العربي–الإسرائيلي، شهدت باريس قمة فرنسية–سعودية بدت وكأنها تعيد صياغة قواعد اللعبة الدبلوماسية في الشرق الأوسط، القمة التي خرجت ببيان داعم للاعتراف بدولة فلسطين لم تكن مجرد حدث بروتوكولي، بل خطوة تحمل دلالات استراتيجية عميقة، خصوصًا أنها تأتي في وقت تتزايد فيه عزلة إسرائيل على الساحة الدولية.
اليوم، أكثر من 140 دولة حول العالم اعترفت رسميًا بفلسطين، لكن الزخم الجديد تمثل في أن دولًا أوروبية كبرى مثل فرنسا وإسبانيا وإيرلندا والنرويج بدأت تفتح الباب لإعادة النظر في مواقفها التقليدية، بينما أبدت دول أخرى داخل الاتحاد الأوروبي استعدادًا للنقاش حول الاعتراف الجماعي، هذا التحول لم يأتِ من فراغ، بل نتيجة لتصاعد الجرائم الإسرائيلية في غزة والضفة، وتزايد الضغوط الشعبية والسياسية في العواصم الغربية.
الرسالة الأبرز جاءت من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي أكد أن “الاعتراف بفلسطين لم يعد خيارًا سياسيًا فقط، بل ضرورة أخلاقية واستراتيجية”، بينما شددت السعودية على أن “السلام الدائم لن يتحقق إلا بإقامة دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس الشرقية”، هذه المواقف العلنية، في قلب أوروبا، تمثل تحديًا مباشرًا للضغوط الأميركية التي لا تزال تعارض أي خطوة أحادية في هذا الاتجاه.
في المقابل، بدا الغضب الإسرائيلي واضحًا، حيث اعتبرت تل أبيب أن هذه الدعوات “مكافأة للإرهاب”، فيما ضغطت واشنطن وراء الكواليس لتعطيل أي قرار أوروبي موحد، لكن التحولات الجارية تضع إسرائيل في موقف يشبه ما عاشه نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا، حين بدأ الاعتراف الدولي يتسع ضد إرادته، حتى انهار النظام من الداخل تحت ثقل العزلة الخارجية.
إن السؤال الحقيقي لم يعد: هل يُعترف بفلسطين؟ بل متى وكيف سيحدث ذلك؟، وما الثمن الذي ستدفعه إسرائيل وحلفاؤها مقابل استمرار رفضهم؟، الاعتراف ليس نهاية الصراع، لكنه بداية مرحلة جديدة، حيث تتحول فلسطين من قضية تُدار على الهامش إلى دولة معترف بها رسميًا، لها مكان في المجتمع الدولي.
المشهد اليوم يحمل إنذارًا استراتيجيًا: كل تأخير في الاعتراف الشامل بدولة فلسطين يعني فتح المجال لمزيد من العنف والفوضى، وكل تردد عربي أو غربي يضاعف كلفة الحل في المستقبل، إذا استمرت العواصم الغربية في لعب دور “الوسيط المنحاز”، فإن قوى أخرى – روسيا، الصين، وحتى بعض الدول الإفريقية وأمريكا اللاتينية – ستملأ هذا الفراغ، لتعيد رسم ميزان القوى في المنطقة.
قد لا يحدث الاعتراف الكامل غدًا، لكنه لم يعد بعيدًا عن التحقق، ولعل ما يجري اليوم هو جرس إنذار لإسرائيل وحلفائها: العالم يتغيّر، والشرعية الدولية لا يمكن أن تظل انتقائية إلى الأبد، والذين يظنون أن بوسعهم تعطيل حركة التاريخ، سيفاجأون بأنهم يقفون على الجانب الخاطئ من معادلة لا ترحم.