د. ريهام حسن تكتب: العدوى النفسية لأبناء الأسرة المضطربة
هل يمكن أن ينتقل القلق أو الاكتئاب من الوالدين إلى الأبناء كما تنتقل العدوى الجسدية؟، البحوث النفسية الحديثة تجيب بـ"نعم"، وتصف هذه الظاهرة بمصطلح علمي جديد هو العدوى النفسية، والمقصود بها انتقال الأحوال والمشاعر النفسية من شخص مضطرب إلى من يحيطون به، وخاصة الأبناء، من خلال التقليد أو التقمص أو الإيحاء الذاتي.
وهذه العدوى لا تحتاج إلى كلمات مباشرة أو وراثة جينية، بل تحدث في الغالب بشكل غير واعٍ، لكنها تترك أثرًا عميقًا على شخصية الطفل.
والطفل في سنواته الأولى بحاجة إلى الأمن النفسي، وهي حاجة أساسية لا تقل أهمية عن حاجاته الفطرية للبقاء، والأم هي المصدر الأول لهذا الأمن، فإذا كانت مستقرة نفسيًا منحت أبناءها الطمأنينة، أما إذا كانت مضطربة، فإن العدوى النفسية تنتقل إليهم بسهولة، فتزرع في وجدانهم القلق أو الخوف أو الاكتئاب.
ويقف الصغير أمام المرآة ليتظاهر بحلاقة ذقنه الصغيرة تقليدًا لوالده وهو يحلق، أو يقلد نبرة صوت أمه وحركاتها، ومع الوقت، يتطور هذا التقليد البسيط إلى تقمص نفسي، حيث يحاول الطفل أن يشكّل نفسه على صورة أحد والديه.
وإذا وجد تعزيزًا مباشرًا بابتسامة أو كلمة إعجاب، يترسخ السلوك أكثر، ويصبح مدخلًا لانتقال الاضطراب النفسي عبر العدوى النفسية.
أما الإيحاء الذاتي فهو مسار آخر خفي، والطفل يلتقط إشارات غير مباشرة: صوت متوتر، عين قلقانة، أو حركة يد عصبية، ومع تكرار هذه الإشارات تصبح جزءًا من مشاعره الداخلية، وكأنه هو نفسه يعاني التوتر.
والأسرة ليست مجرد مجموعة أفراد، بل نسق مغلق من التفاعلات، وإذا كانت مستقرة، دعمت النمو السليم للطفل، أما إذا كانت مضطربة، فإنها تتحول إلى بيئة ناقلة للاضطرابات، حيث تصبح العدوى النفسية واقعًا يوميًا يتشربه الأبناء.
والخبرات المبكرة تترك بصمتها الدائمة: العنف، القسوة، أو التجاهل كلها أبواب مفتوحة للاضطراب النفسي.
ولا تقتصر العدوى على الأم فقط، فالأب كمان قد يكون مصدرًا قويًا لها، فإذا كان مضطربًا وحدث نوع من التوحد النفسي بينه وبين أحد الأبناء، انتقل الاضطراب إليه، وهنا يتحول الابن إلى نسخة وجدانية من أبيه، يحمل مخاوفه وصراعاته الداخلية دون أن يدرك.
والقيم التي يبنيها الطفل عن ذاته، وطريقة استجابته لمواقف الحياة، تتشكل داخل أسرته، فإذا نشأ في جو صحي متوازن، اكتسب الثقة والقدرة على التكيف، أما إذا ترسخت فيه العدوى النفسية، صار أكثر عرضة للاضطرابات السلوكية.
والعدوى النفسية إذن ليست مجرد تعبير مجازي، بل مصطلح علمي موثق يصف ظاهرة ملموسة، والوعي بها هو الخطوة الأولى للوقاية، فإذا أردنا جيلًا أكثر اتزانًا وسعادة، فعلينا أن نحمي أطفالنا من العدوى النفسية، ونمنحهم بيئة مستقرة وآمنة.
والطفل الذي ينشأ في جو يسوده الأمان والاحتواء، هو نفسه الذي سيكبر واثقًا من نفسه، قادرًا على مواجهة الحياة، والاهتمام بالصحة النفسية للوالدين ليس رفاهية، بل هو أعظم هدية يمكن أن نقدمها لأبنائنا وضمانة لمستقبل أكثر إشراقًا.
وعندما تواجه الأسرة صعوبة في توفير هذه البيئة، يكون من الضروري أن تدرك الاضطرابات والمشاكل النفسية التي قد يعاني منها الأطفال، وإدراك هذه المشكلات ومعالجتها مبكرًا يمنع تفاقمها، ويمنح الأطفال فرصة أفضل للنمو في جو من الأمان والدعم.
وبناء على ذلك، فإن الوعي والتدخل المبكر يعتبران مفتاحين أساسيين للحفاظ على صحة الأطفال النفسية، وعندما تواجه الأسرة تحديات في توفير بيئة آمنة لأطفالها، يتبادر إلى الذهن سؤال مهم: كيف يمكن للأسرة التعامل مع هذه الصعوبات؟.
والإجابة تكمن في إدراك الاضطرابات النفسية التي قد يعاني منها الأطفال والبحث عن المساعدة من المتخصصين، فهذه الظروف يمكن أن تؤدي إلى مشكلات تؤثر سلبًا على نمو الأطفال وتطورهم، في حين أن التعامل مع هذه القضايا منذ البداية يمنع تفاقمها ويعطي الأطفال فرصة للنمو في بيئة مليئة بالأمان والدعم.
والوعي والتدخل المبكر هما المفتاح لفتح أبواب الصحة النفسية للأطفال، مما يضمن لهم مستقبلًا مشرقًا وحياة صحية، لذا دعونا نعتبر هذه دعوة للانتباه والاحتواء، فكل خطوة صغيرة تقوم بها الأسرة نحو تحسين بيئة الأطفال يمكن أن تحدث تأثيرًا عميقًا في حياتهم.