ياسمين عبده تكتب: الشرق الأوسط يشتعل: عودة العقوبات على إيران
لم تكن عودة العقوبات الدولية على إيران حدثًا عابرًا يمكن التعامل معه كجزء من روتين الأزمات السياسية، بل هو زلزال دبلوماسي يعيد فتح جروح المنطقة، ويؤكد أن الشرق الأوسط يقف مجددًا على حافة مواجهة قد تتحول إلى حرب مفتوحة، مجلس الأمن، بضغط أمريكي ودعم أوروبي، صوّت على إعادة فرض حزمة عقوبات واسعة تشمل قطاع الطاقة والنفط الإيراني، والذي يشكل نحو 70% من عوائد البلاد، إضافة إلى قيود على الأنشطة النووية والتسليح، ما يعني ضرب قلب الاقتصاد الإيراني مباشرة.
لكن الأمر لا يتوقف عند الأرقام؛ فالعقوبات السابقة لم تنجح في تغيير السلوك الإيراني كما كانت واشنطن تعِد، على العكس، استطاعت طهران أن تزيد من تخصيب اليورانيوم حتى مستويات تجاوزت 60%، وهو رقم يقترب بشكل خطير من العتبة العسكرية، بينما وسّعت نفوذها في العراق وسوريا ولبنان واليمن، وهذا يطرح سؤالًا صادمًا: هل العقوبات حل واقعي أم مجرد وصفة لإشعال المنطقة أكثر؟.
الولايات المتحدة تراهن على “الخنق الاقتصادي”، لكن إيران ليست لاعبًا منفردًا، الصين لا تزال المشتري الأكبر للنفط الإيراني بطرق التفافية، وروسيا ترى في طهران حليفًا استراتيجيًا ضد الضغوط الغربية، أي انهيار اقتصادي مفاجئ قد يفتح الباب أمام تحالفات بديلة، وربما يجر المنطقة إلى اصطفافات جديدة تجعل الخليج ساحة اختبار عسكري واقتصادي في آن واحد.
الخليج هو الحلقة الأضعف والأكثر عرضة للتأثر: فكل ناقلة نفط تمر من مضيق هرمز، الذي يمر عبره 20% من إمدادات الطاقة العالمية، أصبحت في مرمى التصعيد، أي شرارة قد ترفع أسعار النفط إلى مستويات قياسية، وتخلق أزمة اقتصادية عالمية لن ينجو منها أحد، وفي المقابل، إسرائيل تدفع باتجاه موقف أكثر تشددًا، معتبرة أن العقوبات وحدها غير كافية، وهو ما يعزز احتمالات العمل العسكري إذا شعرت تل أبيب أن طهران تقترب من “الخط الأحمر النووي”.
أما أوروبا، فهي تعيش ارتباكًا واضحًا، فالقارة التي تعاني من أزمة طاقة منذ حرب أوكرانيا تدرك أن خنق إيران يعني خنق نفسها بصورة غير مباشرة، لكنها مع ذلك مضت في التصويت، وهو ما يكشف هشاشة الإرادة الأوروبية أمام الضغط الأمريكي، وفي المقابل، لا يزال الموقف العربي مترددًا بين صمت رسمي وتحذيرات غير مكتملة، وهو ما يطرح سؤالًا محوريًا: هل يملك العرب رؤية موحدة لمواجهة هذا الانفجار القادم، أم سيبقون أسرى ردود الفعل؟.
القرار الأخير ليس مجرد ورقة سياسية، بل جرس إنذار عالمي، الشرق الأوسط يدخل مرحلة “اللا يقين”، حيث كل طرف يختبر حدود الآخر، وحيث العقوبات قد تكون الشرارة التي تدفع بالمشهد إلى مواجهة مباشرة، من يظن أن هذه الخطوة ستبقى في إطارها الاقتصادي مخطئ؛ فالعقوبات في الشرق الأوسط دائمًا تحمل في طياتها شبح الحرب.
وبالنسبة لمصر والمنطقة العربية، فإن تداعيات هذا المشهد لا تقل خطورة، مصر التي تعتمد على استقرار سوق الطاقة، والخليج الذي يعيش على عوائد النفط، والعراق وسوريا واليمن الغارقة في التوترات، كلها ستكون أول المتضررين إذا تحولت العقوبات إلى حرب اقتصادية أو عسكرية شاملة، غياب الموقف العربي الموحّد اليوم ليس ترفًا، بل خطر وجودي، لأن كل تصعيد في الملف الإيراني يعيد رسم خرائط النفوذ على حساب أمن العرب وسيادتهم، الرسالة واضحة: من لا يملك استراتيجية ردع واقعية، سيجد نفسه مجرد ساحة لعب في صراع القوى الكبرى.