رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

مها عبد القادر تكتب: مصر وفلسطين.. معركة الصمود في وجه مخططات التهجير

دكتورة مها عبد القادر
دكتورة مها عبد القادر

تشكل القضية الفلسطينية جزءًا لا يتجزأ من أمنها القومي وهويتها الحضارية، وفي ظل التصعيد الإسرائيلي الأخير ومحاولات رئيس الوزراء الإسرائيلي إعادة طرح سيناريو التهجير القسري للفلسطينيين، بما في ذلك عبر معبر رفح، وجاء الموقف المصري واضحًا وحاسمًا، رافضًا بشكل قاطع أي مساس بحق الفلسطينيين في أرضهم أو محاولات دفعهم خارج وطنهم، وهذا الموقف هو امتداد لتاريخ طويل من التضحيات والالتزامات المصرية تجاه فلسطين، وتجسيد لرؤية استراتيجية عميقة تنطلق من ثوابت الدولة المصرية ومكانتها الإقليمية والدولية.

وأعربت جمهورية مصر العربية عن بالغ استهجانها للتصريحات الإسرائيلية الأخيرة التي تلمح إلى تهجير الفلسطينيين خارج أرضهم، معتبرة أن هذه الدعوات تعكس إفلاسًا سياسيًا ومحاولة للهروب من استحقاق المحاسبة الدولية على الجرائم المرتكبة في غزة، وجددت مصر تأكيدها على رفض أي شكل من أشكال التهجير، سواء القسري أو الطوعي، مؤكدة أن ما يحدث من استهداف للمدنيين وتدمير للبنية التحتية يمثل جريمة حرب مكتملة الأركان، ترتقي إلى مستوى جرائم التطهير العرقي.

ويستند هذا الرفض المصري على أساس التضامن الأخوي والتاريخي مع الشعب الفلسطيني، ومن إدراك عميق لخطورة التهجير على استقرار المنطقة، فقبول سيناريو كهذا يعني تصدير الأزمة الفلسطينية إلى دول الجوار، وفتح أبواب فوضى أمنية واجتماعية واقتصادية لا تنتهي؛ لذا، جاء الموقف المصري ليقطع الطريق أمام هذه المخططات منذ البداية، وليؤكد أن مصر لن تكون بوابةً لتنفيذ مشاريع الاحتلال.

ويعد تهجير السكان المدنيين قسرًا من منظور القانون الدولي الإنساني، جريمة ضد الإنسانية وفق اتفاقيات جنيف ونظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، وقد شددت مصر على أن ما تمارسه إسرائيل من قتل وتشريد وتدمير للمستشفيات والمدارس والبنى التحتية، لا يندرج إلا تحت سياسة الضغط والإكراه لدفع الفلسطينيين إلى الرحيل، وهو ما يمثل خرقًا صارخًا لكل المواثيق الدولية.

وتواصل مصر مناشدة المجتمع الدولي للقيام بمسؤولياته الأخلاقية والقانونية، وتطالب بتفعيل آليات المحاسبة بحق قادة الاحتلال الذين يروجون علنًا لسياسات التهجير والتطهير العرقي، فالسكوت عن هذه الممارسات يعني المشاركة في الجريمة، ويفتح الباب أمام تكرارها بحق شعوب أخرى؛ لذا تؤكد مصر أن القضية الفلسطينية هي امتحان حقيقي لإنسانية العالم، ومعيار يكشف مصداقية النظام الدولي في حماية الشعوب المقهورة.

وقد ظلت القضية الفلسطينية على امتداد التاريخ في قلب الوجدان المصري، حاضرة في سياسات الدولة ومواقفها، وراسخة في وعي الشعب، فقد قدمت مصر آلاف الشهداء على أرض فلسطين في حروبها ضد الاحتلال، وفتحت أبوابها لدعم القضية سياسيًا وعسكريًا وإنسانيًا، ولا تزال حتى اليوم تتحمل مسؤولية كبيرة في تقديم المساعدات، واستقبال الجرحى، وفتح معبر رفح لتزويد الفلسطينيين بما يحتاجونه من حياة وأمل.

وتنبع مركزية فلسطين في العقل السياسي المصري من قناعة راسخة بأن استقرار مصر لا ينفصل عن استقرار فلسطين، وأن الأمن القومي المصري يبدأ من غزة والقدس، تمامًا كما يبدأ من سيناء والنيل، ومن ثم فإن رفض التهجير دفاعًا عن حق الفلسطينيين في أرضهم، ودفاع أيضًا عن السيادة المصرية ورفض لأي محاولات لفرض واقع جديد على حدودها الشرقية.

وقد فعلت مصر دبلوماسيتها النشطة منذ اللحظة الأولى للتصعيد الأخير، فحركت اتصالاتها الإقليمية والدولية، واستضافت مؤتمرات واجتماعات، وأكدت موقفها الثابت في كل المحافل الدولية، وجاءت هذه التحركات لتعكس حكمة القيادة السياسية المصرية، التي أدركت أن الصمت على التصريحات الإسرائيلية يعني قبولًا ضمنيًا بجرائم التهجير والتطهير العرقي.

وتمثل الدبلوماسية المصرية اليوم صوتًا قويًا للعدالة وحقوق الإنسان، وتسعى لوقف العدوان ووضع حد للسياسات التي تسعى لتصفية القضية الفلسطينية عبر حلول ترقيعية، وتصر مصر على أن الحل العادل والدائم يكمن في إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، وفق قرارات الشرعية الدولية.

إن رفض مصر لمخطط التهجير لا يمكن قراءته بمعزل عن رؤيتها الاستراتيجية الشاملة، فالدولة المصرية تدرك أن أي محاولة لإفراغ الأرض الفلسطينية من شعبها تعني تصفية القضية الفلسطينية وتحويلها إلى مجرد قضية لاجئين بلا أرض، وهو ما يخدم المشروع الإسرائيلي في السيطرة الكاملة، كما يمثل تهديد للأمن القومي المصري عبر محاولة تصدير الأزمة إلى سيناء وتحويلها إلى ساحة توترات ديموغرافية وأمنية، وبالتالي إشعال الفوضى الإقليمية بما يفتح المجال أمام قوى دولية لاستغلال الوضع وفرض حلول قسرية لا تحقق العدالة ولا الاستقرار؛ لذا فالدولة المصرية تضع القضية الفلسطينية في صميم سياستها الخارجية، وتعتبر الدفاع عن حق الفلسطينيين في أرضهم جزءًا لا يتجزأ من حماية أمنها الوطني وحماية استقرار المنطقة برمتها.

وستظل مصر حائط الصد الأول أمام أوهام الاحتلال وخططه التوسعية، وستبقى القضية الفلسطينية في قلبها، قضية مركزية غير قابلة للمساومة أو المسايرة، وتؤكد مصر اليوم للعالم أن العدالة لا تتجزأ، وأن التهجير جريمة لن يسمح بتمريرها تحت أي ذريعة، ومع استمرار جرائم الاحتلال في غزة، تتعاظم مسؤولية المجتمع الدولي، لكن مصر تبقى صامدة ثابتة، ترفع صوتها عاليًا دفاعًا عن حق الشعب الفلسطيني في أرضه وحريته وكرامته.

 

تم نسخ الرابط