بعد أرسال صواريخ "كروز" لأوكرانيا.. هل تقرع واشنطن طبول التصعيد مع موسكو؟
بين ركام الحرب المستمرة في أوكرانيا وصدى التحذيرات المتبادلة بين موسكو وواشنطن، تطفو على السطح مجددًا واحدة من أخطر القرارات العسكرية المطروحة على الطاولة الأمريكية. الجدل داخل أروقة صنع القرار في البيت الأبيض عاد بقوة، وهذه المرة حول احتمال تسليم كييف صواريخ "كروز" بعيدة المدى من طراز JASSM-ER، في خطوة قد تخلط أوراق الحرب وتدفع بالعلاقات الأمريكية الروسية إلى نقطة اللاعودة.
السلاح الذي يغيّر قواعد اللعبة
بحسب تقارير غربية، تبحث إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الموافقة على نقل صواريخ JASSM (Joint Air-to-Surface Standoff Missile) إلى القوات الجوية الأوكرانية، لتُستخدم من مقاتلات F-16 الأميركية المنتظر دخولها الخدمة في سلاح الجو الأوكراني.
هذه الصواريخ، بمدى يصل إلى 1000 كيلومتر في نسختها المطورة، وتصميمها المنخفض الرصد، تمنح كييف قدرة هجومية دقيقة وعميقة قد تصل إلى قلب المنشآت الروسية دون الحاجة للاقتراب من الخطوط الأمامية، ما يشكل تهديدًا استراتيجيًا غير مسبوق لموسكو.
وتملك "JASSM" رأسًا حربيًا يزن أكثر من 400 كغم، قادرًا على تدمير الأهداف المحصنة والمتحركة، وهي صواريخ تُعد من الأعمدة الأساسية في تسليح القوات الجوية الأمريكية.
التوازن الحرج: دعم أم تصعيد؟
منذ اندلاع الحرب، حافظت الولايات المتحدة على معادلة "الدعم المشروط" لأوكرانيا، متجنبة تسليم أسلحة قد تُفسّر في موسكو كاستهداف مباشر للأراضي الروسية. لكن خطوة كهذه — في حال إقرارها — ستشكل تحولًا نوعيًا، وربما بداية مرحلة جديدة في الحرب.
ويرى مراقبون أن أي موافقة أميركية على تسليم "JASSM" ستُفسر في الكرملين كتدخل مباشر في استراتيجية الردع، وهو ما قد يدفع موسكو إلى الرد بإجراءات تصعيدية مثل إعادة نشر منظومات نووية تكتيكية في أوروبا الشرقية، أو رفع مستوى الجاهزية في جبهات ساخنة كالبحر الأسود والقطب الشمالي.
تحذيرات من سباق تسلح جديد
قال ديمتري بريجع، مدير وحدة الدراسات الروسية في مركز الدراسات العربية الأوراسية، إن هذه الخطوة "تمثل تصعيدًا هجوميًا واضحًا"، مشيرًا إلى أن واشنطن "تتخلى تدريجيًا عن قواعد الردع المتبادل" التي حكمت العلاقة مع موسكو منذ الحرب الباردة.
وأوضح بريجع أن امتلاك كييف لصواريخ "JASSM" يعني قدرتها على ضرب مراكز قيادة استراتيجية روسية دون دخول مناطق الدفاع الجوي، وهو ما تعتبره موسكو "تهديدًا وجوديًا"، محذرًا من أن غياب قنوات الاتصال المباشر بين العاصمتين سيزيد من احتمالات سوء الفهم والتصعيد العسكري غير المقصود.
وأضاف أن واشنطن قد تستخدم هذه الصواريخ كورقة ضغط في المفاوضات، خصوصًا مع سعي روسيا لتعزيز وجودها في مناطق استراتيجية كأفريقيا والقطب الشمالي.
الفاعلية الميدانية موضع نقاش
الخبير العسكري نضال زهوي رأى أن رغم الإمكانات النظرية المتقدمة لصواريخ "JASSM"، إلا أنها قد تواجه تحديات ميدانية في البيئة القتالية الأوكرانية، خصوصًا مع اعتمادها الكبير على نظام التموضع العالمي (GPS)، الذي تعترضه أنظمة التشويش الروسية المتطورة.
وأشار إلى أن بعض الصواريخ الغربية التي زُودت بها كييف سابقًا واجهت انحرافًا عن أهدافها، ما قلل من فعاليتها. كما حذّر من أن دخول مقاتلات "F-16" المعركة سيجعلها هدفًا مباشرًا للدفاعات الروسية، ما قد يزيد من احتمالات المواجهة الجوية المفتوحة.
من الرابح الحقيقي؟
واختتم زهوي بالقول إن استمرار الدعم العسكري لا يعكس نية غربية لحسم الحرب ميدانيًا، بل يندرج في إطار "استراتيجية الاستنزاف طويلة الأمد"، التي تصب في مصلحة مجمع الصناعات الدفاعية الأمريكي، بينما تتحمل أوروبا والاتحاد الأوروبي العبء المالي الأكبر، وتتكبد روسيا كلفة بشرية وميدانية باهظة.
على حافة الخط الأحمر
نقل صواريخ "JASSM" إلى أوكرانيا لن يكون مجرد دعم تقني، بل لحظة سياسية وعسكرية مفصلية. إنه قرار قد يعيد صياغة قواعد الردع، ويقلب موازين الحرب، أو يُشعل مرحلة جديدة من سباق التسلّح بين الشرق والغرب. وبين التردد والتصعيد، تقف واشنطن أمام اختبار حقيقي: هل تقفز فوق الخطوط الحمراء الروسية؟ أم تكتفي بملامستها دون اشتعال؟
