رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

أحمد النوبي يكتب.. يوميات مراسل مطحون في محافظة لا تهدأ

الصحفي أحمد النوبي
الصحفي أحمد النوبي

لا شيء يمكن أن يجهد المراسل الصحفي أكثر من لهيب الحوادث المتلاحقة، خاصةً في محافظة لا تعرف الهدوء مثل الغربية لم تكن الساعة قد تجاوزت منتصف النهار، حينما ورد بلاغ عن اندلاع حريق في حظيرة مواشي بقرية العزيزية التابعة لمركز سمنود، لم أتردد فقد أصبحت خطواتي مألوفة على الطرق الوعرة والضيقة التي تؤدي إلى قلب الكوارث.

وصلت إلى قرية العزيزية فوجدت ألسنة اللهب تبتلع الحظيرة وتنتقل بفعل الرياح إلى شونة تخزين كتان ملاصقة لها الكتان المحصول النفيس، يتحول في ثوانٍ إلى رماد الخسائر؟ تُقدّر بملايين الجنيهات بحسب أقوال الأهالي وبعض المصادر الأمنية.

وبينما أتابع من بعيد عمليات الإطفاء التي امتدت لساعات لفت نظري تصاعد عمود دخان كثيف في الأفق على بعد نحو خمسة كيلومترات لم أستطع تجاهل المشهد التقطت هاتفي وبلغت القيادات الأمنية في موقع العزيزية ثوانٍ قليلة وانطلقت سيارات الإطفاء مسرعة نحو الاتجاه الجديد.

اتجهت خلفهم والقلق يسبقني كانت الوجهة قرية شبراملس التابعة لمركز زفتى وما إن اقتربنا حتى بدا المشهد كأنه جزء من فيلم رعب نارٌ هائلة تشتعل في أرض فضاء تستخدم لتشوين محصول الكتان ذلك الذي يُلقب بـ"الذهب الأصفر". ومع بداية اقترابي لم أتمالك لساني إلا أن أردد "اللهم أجرنا من نار جهنم".

الناس هنا لا تملك رفاهية الصدمة في شبراملس كان الفلاحون يركضون حفاة وسط النيران يحاولون سحب حزم الكتان بعيدًا عن اللهب طفل لا يتجاوز العاشرة ممسك بيد والده يصرخ "يا بابا ده محصولنا راح" فيما جلست سيدة مسنّة على جانب الطريق تبكي بحرقة "ده تعب سنة كاملة.. حرام والله حرام".

النيران تلتهم كل شيء والأهالي يصرخون ويحاولون إنقاذ ما يمكن إنقاذه وسط سحب دخان كثيفة تغشي العيون وتخنق الأنفاس أكثر من 12 ساعة متواصلة بذل فيها رجال الحماية المدنية جهدًا بطوليًا للسيطرة على الحريق الذي كاد يمتد إلى منازل مجاورة ومخازن أخرى.

"الكتان هو حياتنا" هكذا قال لي أحد الفلاحين بعيون زائغة ووجه أسود من الدخان. "مافيش تأمين ومافيش تعويض ومش هنعرف نزرع تاني" ثم صمت فجأة كمن استوعب فداحة المصيبة وسحب نفسًا عميقًا من سيجارة مشتعلة نسي أنها بيده منذ نصف ساعة".

في النهاية هذا ليس مجرد حريقين إنها صدمة مزدوجة لقرى تعيش على محصول واحد ومحنة لعشرات العائلات التي خسرت قوت يومها والمراسل هنا لا يعود إلى بيته منتصرًا بخبر، بل مثقل بصور البكاء والرماد والذهول.

تم نسخ الرابط