محمد كامل الباز يكتب.. (من أين لك هذا؟)
سؤال اعتدنا على سماعه في الدراما قديمًا، يُوجه دائماً لهذا الموظف الثري وذلك المسئول الذي ظهرت عليه النعمة فجأة، وفقا لقوانين الأموال لو ظهرت ثروة مفاجأة لأحد المواطنين بغتة، دون إظهار ما يثبت سبب ذلك الثراء يكون تحت طاولة القانون وتساؤل الجهات المعنية لمعرفة سبب هذا، مما لا شك فيه أن المال فتنة كبيرة، غالباً لا ينجو من هذه الفتنة إلا القليل من العقلاء، الذين عرفوا حقيقة الدنيا وضآلتها، يظل هذا الشاب يبحث عن المال طيلة حياته ويُدخل نفسه فى كم من المشروعات والأعمال المشروعة وغير المشروعة من أجل جمع المال.
من الممكن أن ينسي نفسه وحياته وأولاده بل فوق كل هذا ينسى أوامر ربه، وعندما يحاول الرجوع والاستيقاظ لتعويض ما فاته يجد نفسه في عداد الأموات، فتنة شغلت كل الناس وسرقت أوقاتهم، منعت الابن من والدته والأب من أسرته، حاصرت الزوج وبعدّت بينه وبين زوجته، أوجدت أسوارا بين البنت وأختها، كل هذا تحت مسمى ملاهى الحياة ولو دققنا فى سبب ملاهى الحياة يكون الاهتمام بتعليم ومستقبل الأولاد كي يصبح لهم وظيفة مستقرة (مال وفير)، أشرقت أو غربت فالمال هو المحرك الأساسي لحياة الناس، أبحرت أو قبلت فانشغال الناس وضيق وقتهم لهذا السبب.
أخذت أتابع تناول الشرع لقضية المال في مواضع غير موضع الفتنة وإلا فبالفعل هي فتنة شديدة فقد ذُكرت أصلا قبل فتنة الولد التى هي المفروض أكبر فتنة لأي إنسان، فإذا كان أولادك ليسوا أغلى شىء عندك فما غيرهما إذن؟ لكن اتضح أن المال ينافسهما بل يتغلب عليهما أحيانا، بينما كنت أبحث وأدقق إذ بحديث للمصطفى صلى الله عليه وسلم يوضح حقائق مهمة عن المال، حيث ذكر فى حديث شريف، عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال صلى الله عليه وسلم : "لن تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع خصال : عن عمره فيما أفناه ، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه، وفيما أنفقه، وعن علمه ماذا عمل فيه.
"ليس المشكلة الآن هي ادخار وقت وعدم جعل المال هو كل حياتك بل الموضوع تخطى هذا، إذ إن المصطفى صلى الله عليه وسلم قالها صراحة، إنك لن تتحرك خطوة يوم الحساب إلا وسيسألك المولى عز وجل عن مالك، السبب الذي أضعت الغالي والنفيس من أجله، السبب الذي بسببه كذبت واغتبت سرقت وقتلت ... ستسأل من أين حصلت على هذا المال، هل زاد مرتبك لأنك انتقلت لوظيفة أعلى نتيجة وشايتك على زميلك؟ هل قدمت رشوة من أجل تيسير أمر غير جائز وحصلت بعدها على مكسب كبير ظننته حقك فى الدنيا؟ هل ناصرت ظالما من أجل الوصول لمنصب معين وأخذت مال مقابل ذلك؟ هل عينت دون وجه حق وكان مالك مشبوها لا يجوز التعامل به؟
أسئلة كثيرة ومحددة لابد الإجابة عليها، أسئلة عن كل فقرة فى حياتك لأن المال جزء لا يتجزأ من حياة وسعى الإنسان، لن يتوقف السؤال عند مصدر المال فقط ولكن عليك أيضا الإفصاح عن جهات إنفاقك فى هذا المال، هل كنت من المبذرين الذين أسرفوا وأنفقوا أموالا فيما لا يفيد ولا ينفع؟ هل كنت من العصاة الذين أنفقوا أموالهم على الراقصين والراقصات؟
هل استخدمت تلك النعمة ( المال) فى مرضاة الله أم اغضبته، سيسألك الله أيها الثري ماذا كان موقفك من إخوانك الذين يقتّلون فى غزة، سيُسأل ذلك الثري الذي أعطى لفنان طائرة مغلفة بالذهب وذلك الذي أطعم خيوله بسرج من الألماس، بل سيسأل أيضا هؤلاء الذين يدفعون للاعب قرب المليار جنيه !!
متخيل أصبح لاعبي الكورة أسعارهم كم؟ متخيل هذا المبلغ لو وُزع على أطفال الأمة أو دخلت به مساعدات لفلسطين الحبيبة كم ستنقذ من الأطفال والجرحى؟ فناد من أجل كورة القدم يدفع للاعب ما يقرب من ثلاثة أرباع المليار والأمة مليئة بالفقراء والمحتاجين، تعج بالمرضى والمساكين.
من الضروري أن يكون هناك يوم حساب يوم للكشف عما كان يفعله كل إنسان يوم سيقف من أشتري حذاء من الذهب وساعة من الياقوت ودفع للاعب الملايين، يوم لن يأت أحد بدلاً منك، ستجاوب أنت بنفسك، يوم يسألك عن أهم عناصر حياتك التي كانت ملازمة لك فى صحوك ومنامك وتركتك عند وفاتك، وهو المال لن تستطيع التملص أو الهروب، لن توجد هناك مجاملات أو محسوبيات، إذا كانت هناك ثغرات فى قوانين الدنيا هرب من خلالها الخارجون عن القانون الدنيوي، ثق يا عزيزي أن المشهد هناك مختلف تماماً فمن سيقول لك من أين لك هذا؟ ليس القاضي فلان أو المستشار علان ولكنه الله الواحد الأحد، العدل المنان.
