رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

محمد دياب يكتب: الزوج يحتضر.. والزوجة تبيع أنفاسه الأخيرة في مزاد اللايكات!

محمد دياب
محمد دياب

 

في لحظة يُفترض أن تُغلق فيها الهواتف، وتنزل الدموع، ويخيم الصمت... فتُفتح الكاميرا.

الزوج يحتضر، يتشبث بأنفاسه الأخيرة، يبحث عن لحظة وداع حقيقية، وربما عن لمسة أمان في أحضان من أحبها، لكن المشهد يتحوّل إلى عرض تليفزيوني. تنام الزوجة إلى جواره، تحتضنه، وتفتح البث أو الكاميرا لتوثّق اللحظة، لحظة يفترض أن تكون بين "روح وربها" لا بين عدسة و"فولورز".

هل أصبح الموت مشهداً قابلاً للمشاركة؟ هل صار الوداع محتاجاً إلى "بوست" وموسيقى حزينة؟
أين ذهب الحياء؟ وأين تبخّرت القيم؟.

منذ متى تحوّلت الخصوصية إلى سلعة؟ ومنذ متى أصبح الألم فرصة لجمع اللايكات؟.

لا نتحدث عن امرأة أرادت توثيق اللحظة لذكرى خاصة بل عن من قامت بنشرها للعلن، لتتصدّر الترند، وتُروّج للحب على طريقة "اليوتيوب".

زوج يحتضر، في مشهد إنساني نقي، تُحوّله كاميرا عبثية إلى فيلم تسويقي. ثم تُتبع الصورة بمنشور: "طلبني 44 مرة عشان يموت في حضني"... منشور يحاول استدرار العاطفة، لكنه لا يخفي تسوّل الشهرة.

وهنا لا بد أن نسأل: ما الذي تبقّى لنا؟.

الولادة تُصوَّر، الموت يُنشر، الجنازة تُذاع، القبر يُوثّق، والميت لم يدفن بعد!.

هل غابت الرحمة؟ أم غلبت السوشيال ميديا على فطرة الإنسان؟.

صار كل شيء قابلاً للعرض، إلا الضمير.

تآكلت الحدود حتى أصبحت الحُرمة وجهة نظر، والحياء "فلتراً" يمكن إضافته أو حذفه.

فإن كانت الحياة فقدت احترامها، فهل يفقد الموت آخر ما تبقّى من قدسيته؟.

نحن لا نحاكم مشاعر الحزن، بل نستنكر استعراضها، نحن لا نمنع الحب، لكن نرفض المتاجرة به عند أبواب المقابر، من يُحب بحق، يحترم لحظة الرحيل.

ومن يملك قلباً، يترك الكاميرا، ويحضن الذاكرة في صمت.

الموت لا يحتاج جمهوراً… الموت يحتاج دعاء.

لكن يبدو أن البعض فقد كل حس إنساني، ولم يَعُد يفرّق بين قدسية لحظة، وفضيحة مدفوعة الثمن.
إذا كنّا قد سمحنا لأنفسنا بتصوير آخر نفس لإنسان، فغداً سنصوّر غُسله، وبعد غد نُبث جنازته على الهواء، وبعدها ننتظر "إعلان ممول" عليه.

أي شهرة هذه التي تُبنى على أشلاء الحياء؟.

أي قلب ذاك الذي يحمل كاميرا بدل من أن يحمل القرآن في وداع حبيبه؟.

أي زمن هذا الذي يُفضّل فيه الإنسان أن يدفن كرامته قبل أن يدفن ميّته؟.

ارحمونا من هذا العُري الأخلاقي.

ارحموا الموتى من أضواء الكاميرات.

ارحموا الأحياء من هذا الانحدار… قبل أن نُصبح جميعاً جثثاً تُصوّر ولا تُدفن.

اللهم لا تفضحنا كما فضحونا... ولا تُرِنا يوماً نحتاج فيه أن نطلب الستر من بشر لا يعرفون للستر طريقاً.

تم نسخ الرابط