مها عبد القادر تكتب: شهر رمضان فرصة عظيمة لتصفية القلب من شوائب الرياء
شهر رمضان ليس مجرد أيام تمضي، بل هو مدرسة إيمانية متكاملة تغرس في النفس معاني العبودية الصادقة، وتعلّم الإنسان دروسًا عميقة تظل أثرها ممتدًا طوال حياته، هي أيام مباركة تتجلى فيها الرحمة الإلهية بأبهى صورها وتفتح فيها أبواب السماء للدعاء والتضرع، فتكون فرصةً ذهبيةً لكل من أراد أن يجدد العهد مع الله، ويصحح مساره، ويضع لنفسه بداية جديدة قائمة على الإخلاص واليقين والسعي في طريق الطاعة.
ويتعلم الإنسان في شهر رمضان كيف يكون الصبر زاده في طريق الإيمان، فمع الاجتهاد في العبادة والتفرغ للقيام والذكر، يُدرك المؤمن أن الروح هي التي تستحق العناية الحقيقية، وأن الانتصار على رغبات النفس هو أعظم درجات القوة، فمن يذوق حلاوة السهر بين يدي الله ومناجاته ويتحمل مشقة الصيام والقيام، يكتشف أن الإنسان قادر على تحدي ضعفه، مادام القلب ممتلئًا بالإرادة الصادقة.
ويُمثل شهر رمضان فرصة عظيمة لتصفية القلب من شوائب الرياء، والتقرب إلى الله بعبادات خالصة، لا يُراد بها إلا وجهه الكريم، ففي جوف الليل حين تخلو القلوب إلى بارئها، وتتضرع الأرواح طلبًا للرحمة، ويشعر الإنسان بحلاوة القرب من الله بعيدًا عن أعين الناس، ويتعلم أن العبادة الحقيقية ليست تلك التي يُراد بها المديح، بل هي التي تُبنى على صدق النية، وإخلاص الوجه لله دون انتظار جزاء أو ثناء من البشر.
وخلال الشهر الكريم يتذكر الإنسان بأن الحياة قصيرة وأن زينتها زائلة، فيتعلم كيف يتحرر من التعلق المفرط بالدنيا ويتذوق معاني الزهد الحقيقي، فحين يقضي ليله راكعًا ساجدًا ويشعر بلذة المناجاة، يدرك أن السعادة ليست فيما يمتلكه، بل فيما يملأ قلبه من رضا وقناعة، وفي لحظة يقين بأن الله قريب منه يسمع نجواه، ويغفر زلّته، ويبدّل حاله إلى أحسن حال.
ويتعلم الإنسان في الشهر الفضيل كيف يكون العطاء جزءًا من حياته، فيدرك أن الإنفاق في سبيل الله هو استثمار حقيقي، وأن من يبذل ماله ووقته وجهده لمساعدة الآخرين، ينال بركة في حياته وسعة في رزقه، وطمأنينة في قلبه، فالصدقة في هذه الأيام ليست مجرد مبلغ يُدفع، بل هي شعور بالمسؤولية تجاه المحتاجين، واستشعار لآلامهم، وسعي لسد حاجاتهم، فتغرس هذه الأيام في القلوب حب الخير، وتجعل الإنسان أكثر رحمة وعطاءً، وأكثر حرصًا على أن يكون سببًا في تفريج كرب الآخرين.
وإذا كان المسلم قد بدأ رمضان بحماسٍ في العبادة، فإن العشر الأواخر تعلّمه أن الثبات حتى النهاية هو سر النجاح الحقيقي، فهي أيام الاجتهاد الأعظم والليالي التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يشدّ فيها مئزره، ويوقظ أهله، ويضاعف فيها الأعمال الصالحة، وكأنه يعلّمنا أن الطاعات لا تُبنى على الفتور، بل تحتاج إلى استمرارية وقوة عزيمة، فالعبرة ليست بمن يبدأ السباق، بل بمن يصل إلى نهايته ثابتًا، مستمرًا، مقبلًا على الله بنفسٍ مشتعلة بالشوق والإيمان.
ويدرك الإنسان أن باب التوبة مفتوح، وأن رحمة الله تسع كل ذنب، فيتعلم كيف يكون الرجوع إلى الله صادقًا، بلا تسويف ولا تأجيل ويدرك أن الإنسان مهما أخطأ ومهما ابتعد فإنه ما دام قلبه ينبض، فلا يزال لديه فرصة للعودة، وما دام لسانه قادرًا على الاستغفار، فإن الله يغفر ويبدّل السيئات حسنات ويمنح العبد فرصة ليبدأ من جديد فهو الغفور الرحيم وتكون العشر الأواخر بداية لحياة جديدة قائمة على الطهر والصدق والنية الخالصة لوجه الله.
ويتعلم الإنسان خلال شهر رمضان المكرم كيف يكون لكل لحظة قيمة، فيدرك أن الحياة قصيرة وأن كل ساعة تمضي هي جزء من عمره لن تعود، فيحرص على استغلال وقته في الطاعة والذكر والعمل الصالح، بدلًا من الانشغال بما لا ينفع ويسعي إلى الإنجاز والإحساس بقيمة كل لحظة، وجعل كل حياته لها معنى ورسالة، فلا يهدرها، بل يجعلها مليئة بالعطاء والخير.
ونؤكد أن شهر رمضان والعشر الأواخر هي ليالي الرجاء، ليالي يغمرها الشعور بأن الله قريب، وأن رحمته أوسع من كل ذنب، فتتعلم النفس كيف يكون حسن الظن بالله مفتاحًا للراحة والسعادة، وكيف يكون اليقين برحمة الله نورًا يضيء الحياة، ويجعل الإنسان أكثر ثقة بأن بعد كل عسر يسرًا، وأن الله لا يخذل عبدًا طرق بابه بصدق، وسأله بعين الرجاء، وبالتالي فإن العشر الأواخر ليست مجرد ليالٍ نعيشها، ثم تنقضي، بل هي دروس إيمانية عظيمة، تنقّي القلوب، وتحيي الأرواح، وتُعلم الإنسان كيف يكون أقرب إلى الله، وكيف يجعل حياته بعد رمضان امتدادًا لهذه الليالي المباركة، ليظل أثرها مستمرًا، ونورها مشرقًا، حتى يلقى العبد ربه بقلبٍ سليم، ونفسٍ مطمئنة.
ويأتي العيد بعد شهر من العبادة والطاعة وهو مناسبة عظيمة ، ليكون تتويجًا لجهود المؤمنين وفرحة تغمر القلوب، فهو ليس مجرد يوم يمر في التقويم، بل هو محطة من المحطات التي تفيض بالبهجة والتسامح والتواصل الاجتماعي؛ ليذكّرنا بقيم المحبة والتراحم، حيث تتجدد فيه العلاقات الأسرية، ويعلو فيه صوت التكبيرات وتُضاء البيوت بأجواء البهجة والسعادة، ويبدأ صباح العيد بنداء التكبير الذي يتردد في الأجواء، ليملأ القلوب بالسكينة ويحرص المسلمون على أداء صلاة العيد في المساجد والساحات الكبيرة، حيث يجتمعون في مشهد مهيب يعكس روح الوحدة والتآلف، فتغمرهم مشاعر البهجة والطمأنينة، ويتبادلون التهاني والدعوات الصادقة بأن يتقبل الله طاعاتهم ويعيد عليهم العيد بالخير واليمن والبركات.
من أهم سمات العيد أنه يعمق الروابط الاجتماعية، فهو فرصة لصلة الأرحام، حيث يحرص الجميع على زيارة الأهل والأقارب، وتبادل التهاني والتبريكات، فيتجدد الود بين الأسر وتتلاشى الخلافات وتعم روح التسامح والتآلف، فالعيد ليس مجرد نهاية لشهر رمضان، بل هو بداية جديدة مليئة بالأمل والتفاؤل فهو فرصة لمراجعة الذات والانطلاق نحو حياة أكثر إشراقًا، تحمل في طياتها روح رمضان من صبرٍ وعبادةٍ وتقوى، اللهم اجعل عيدنا هذا عيد فرح وسرور، واملأ قلوبنا بالمحبة والسلام، وتقبل منا صالح الأعمال، وأعده علينا وعلى أمتنا الإسلامية بالخير والبركات. عيدكم مبارك وكل عام وأنتم بخير.